فلا ينكر أن يحصل التائب نصيب وافر من الفرح بالتوبة ولكن هاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يصل إلى ذلك إلا بعد ترحات ومضض ومحن لا نثبت لها الجبال فإن صبر لها ظفر بلدة الفرح وإن ضعف عن حملها ولم يصبر لها لم يظفر بشي ء وآخر أمره فوات ما آثر من فرحة المعصية ولذتها فيفوته الأمران ويحصل على ضد اللذة من الألم المركب من وجود المؤذي وفوت المحبوب فالحكم للّه العلي الكبير.
و هاهنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا إلى اللّه إذا أرسل إليه فبشروه بلقائه، وقال له ملك الموت: أخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان أخرجي راضية مرضيا عنك: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي «1» فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة وحدها لكان العقل يأمر بإيثارها فكيف ومن بعدها أنواع من الفرح منها صلاة الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحه.
و منها: فتح أبواب السماء لها وصلاة ملائكة السماء عليها وتشييع مقربيها لها إلى السماء الثانية فتفتح ويصلي عليها أهلها ويشيعها مقربوها هكذا إلى السماء السابعة فكيف يقدر فرحها.
و قد استؤذن لها على ربها ووليها وحبيبها فوقفت بين يديه وأذن لها بالسجود فسجدت ثم سمعته سبحانه يقول اكتبوا كتابه في عليين ثم يذهب به فيرى الجنة ومقعده فيها وما أعد اللّه له ويلقى أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به ويفرح بهم فرح الغائب يقدم على أهله فيجدهم على أحسن حال ويقدم عليهم بخير ما قدم به مسافر هذا كله قبل الفرح الأكبر يوم حشر الأجساد بجلوسه في ظل العرش وشربه من الحوض وأخذه كتابه بيمينه وثقل ميزانه وبياض وجهه وإعطائه النور التام والناس في الظلمة وقطعة جسر جهنم بلا تعويق وانتهائه إلى باب الجنة وقد أزلفت له في الموقف وتلقي خزنتها له بالترحيب والسلام والبشارة وقدومه على منازله وقصوره وأواجه وسراريه.
(1) سورة الفجر، الآية 27 و30.