و نعيمها وهو مشتق منه، وواصل إلى أهل البرزخ هناك، كما دل عليه القرآن والسنّة الصحيحة الصريحة في غير موضع دلالة صريحة، كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها» ، وفي الفاجر: «فيفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها» . ومعلوم قطعا أن البدن يأخذ حظه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظها فإذا كان يوم القيامة دخل من هذا الباب لمقعده الذي هو داخله، وهذان البابان يصل منهما إلى العبد في هذه الدار أثر خفي محجوب بالشواغل والغواشي الحسية والعوارض، ولكن يحس به كثير من الناس وإن لم يعرف سببه ولا يحسن التعبير عنه، فوجود الشي ء غير الإحساس به والتعبير عنه، فإذا مات كان وصول ذلك الأثر إليه من ذينك البابين أكمل، فإذا بعث كمل وصول ذلك الأثر إليه، فحكمة الرب تعالى منتظمة لذلك أكمل النظام في الدور الثلاث.
و هي قول السائل: ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟ فالجواب من وجهين:
مجمل، ومفصل.
أما المجمل: فهو أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما، والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، وقال تعالى وأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ «1» وقال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ «2» وقال تعالى واذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ «3» .
و الكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السنّة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن اللّه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكر، إلا من ليس منهم،
(1) سورة النساء، الآية 113.
(2) سورة الجمعة، الآية 2.
(3) سورة الأحزاب، الآية 34.