كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط للخروج عن خلاف السنّة ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم.
و الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه:
منها: أن ما كان للّه موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك، وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان:
و منها: أن ما أثمر إقبالا على اللّه وإنابة إليه وذكر له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك من إلقاء الشيطان.
و منها: أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان.
و منها: أن ما أورث سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وانزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان (فالإلهام الملكي) يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي استنارت بنور اللّه فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما القلب الظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمته به أكثر من لمة الملك.
و الفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى: والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ