فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 363

بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..

فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.

و قالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.

و كذلك قوله تعالى لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «1» وقوله ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته، فإن اللّه سبحانه قال فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «2» فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره، ولا على وجه الجزاء، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء.

(1) سورة البقرة، الآية 286.

(2) سورة يس، الآية 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت