و هذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها، وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شي ء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا.
و قالت طائفة أخرى: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال: الجواب الجيد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات، وكان كذلك أثر سعيه، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» . ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:
«إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له» .
و من هنا قول الشافعي: إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة، بخلاف بذل الأجنبي.
و هذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه «1» . ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه
(1) أخرجه البخاري في كتاب المظالم باب نصر المظلوم، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم.