فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب [القراءة] «1» واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
و أما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شي ء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
و أي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
(1) وردت في المطبوع القرآن.