شَيْئًا مَذْكُورًا «1» فلو كانت روحه قديمة لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورا، فإنه إنما هو إنسان بروحه لا ببدنه فقط، كما قيل:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
الوجه التاسع: النصوص الدالة على أن اللّه سبحانه كان ولم يكن شي ء غيره، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين، أن أهل اليمن قالوا: يا رسول اللّه جئناك لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر؟ فقال:
«كان اللّه ولم يكن شي ء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شي ء، فلم يكن مع اللّه أرواح ولا نفوس قديمة يساوي وجودها وجوده، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، بل هو الأول وحده لا يشاركه غيره إلى أوليته بوجه «2» .
الوجه العاشر: النصوص الدالة على خلق الملائكة وهم أرواح مستغنية عن أجساد تقوم بها وهم مخلوقون قبل خلق الإنسان وروحه، فإذا كان الملك الذي يحدث الروح في جسد ابن آدم بنفخته مخلوقا فكيف تكون الروح الحادثة بنفخة قديمة؟ وهؤلاء الغالطون يظنون أن الملك يرسل إلى الجنين بروح قديمة أزلية ينفخها فيه، كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يلبسه إياه وهذا ضلال وخطأ، وإنما يرسل اللّه سبحانه إليه الملك فينفخ فيه نفخة تحدث له الروح بواسطة تلك النفخة، فتكون النفخة هي سبب حصول الروح وحدوثها له، كما كان الوطء والإنزال سبب تكون جسمه، والغداء سبب نموه، فمادة الروح من نفخة الملك، ومادة الجسم من صب الماء في الرحم، فهذه مادة سماوية، وهذه مادة أرضية، فمن الناس من تغلب عليه المادة السماوية فتصير روحه علوية شريفة تناسب الملائكة، ومنهم من تغلب عليه المادة الأرضية فتصير روحه سلفية ترابية مهينة تناسب الأرواح السلفية، فالملك أب لروحه، والتراب أب لبدنه وجسمه.
الوجه الحادي عشر: حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الأرواح جنود مجندة فما
(1) سورة الدهر، الآية 1.
(2) أخرجه النسائي في باب الجماعة للفائت (2/ 105) .