الذي سواه بيده وهو الذي نفخ فيه من روحه؟
قيل: هذا الموضع الذي أوجب لهذه الطائفة أن قالت بقدم الروح. وتوقف فيها آخرون ولم يفهموا مراد القرآن.
فأما الروح المضافة إلى الرب فهي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه إضافة تخصيص وتشريف كما بيناه، وأما النفخ فقد قال تعالى في سورة مريم: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «1» وقد أخبر في موضع آخر أنه أرسل إليها الملك فنفخ في فرجها وكان النفخ مضافا إلى اللّه أمرا وإذنا وإلى الرسول مباشرة.
[تسمية المسيح روح اللّه]
يبقى هاهنا أمران:
أحدهما: أن يقال: فإذا كان النفخ حصل في مريم من جهة الملك وهو الذي ينفخ الأرواح في سائر البشر، فما وجه تسمية المسيح روح اللّه؟ وإذا كان سائر الناس تحدث أرواحهم من هذه الروح فما خاصية المسيح؟
الثاني: أن يقال فهل تعلق الروح بآدم كانت بواسطة نفخ هذه الروح هو الذي نفخها فيه بإذن اللّه كما نفخها في مريم، أم الرب تعالى هو الذي نفخها بنفسه كما خلقه بيده؟
قيل لعمر اللّه أنهما سؤالان مهمان، فأما الأول فالجواب عنه أن الروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى اللّه الذي اختصه لنفسه وأضافه إليه وهو روح خاص من بين سائر الأرواح، وليس الملك الموكل بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار، فإن اللّه سبحانه وكل بالرحم ملكا ينفخ الروح في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته.
و أما هذا الروح المرسل إلى مريم فهو روح اللّه الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه، فكان بمنزلة الأب لسائر النوع، فإن نفخته لما دخلت في فرجها كان ذلك بمنزلة لقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء، وأما ما اختص به آدم فإنه لم يخلق كخلقة المسيح من أم ولا كخلقه سائر النوع من أب وأم، ولا كان الروح
(1) سورة الأنبياء، الآية 21.