فإن قيل: فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة.
قيل: سنبين إن شاء اللّه تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا. وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحمل الآثار ما لا طاقة لها به؟ نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا، فيجي ء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق، كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لا تزيد عليه ولا تنقص منه.
فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية، فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه.
و أما حديث مالك فقال أبو عمر: هو حديث منقطع، مسلم بن يسار لم يلق عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، وهو أيضا مع الإسناد لا يقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، قيل: إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري. قال ابن أبي خيثمة: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا عن زيد بن أبي أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار «لا يعرف» .
ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي (أخبرنا) محمد بن وهب حدثنا محمد ابن سلمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة.