و قد أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم يستبشرون بنعمة من اللّه، وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه:
(أحدها) أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.
(الثاني) أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم.
(الثالث) أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا مثل يتباشرون.
و قد تواترت المرائي بذلك، (فمنها) ما ذكره صالح بن بشير قال: رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت له: يرحمك اللّه لقد كنت طويل الحزن في الدنيا، فقال: أما واللّه لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائما، فقلت: في أي الدرجات أنت؟ قال: مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
(و قال) عبد اللّه بن المبارك: رأيت سفيان الثوري «1» في النوم فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال: لقيت محمدا وحزبه.
(و قال) صخر بن راشد: رأيت عبد اللّه بن المبارك «2» في النوم بعد موته
(1) هو الإمام أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري الفقيه سيد أهل زمانه علما وعملا، روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب وخلق كثير، قال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ، ما فيهم أفضل من سفيان. وقال أحمد بن حنبل: لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد. ولكن سفيان كثير الحط على المنصور لظلمه، فهمّ به وأراد قتله فما أمهله اللّه. توفي رحمه اللّه تعالى في البصرة متواريا إحدى وستين ومائة قال ابن رجب: وجد في آخر القرن الرابع سفيانيون، ومناقبه تحمل مجلدات. ورآه بعضهم بعد موته فقال:
نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد
لقد كنت قواما إذ أظلم الدجى ... بصبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصد أردته ... وزرني فإني منك غير بعيد
(2) هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ ذو المناقب، سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وهذه الطبقة، وصنف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث. قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وكانت له تجارة واسعة ينفق منها على الفقراء في السنة مائة ألف درهم. قال الفضيل بن عياض:-