نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الخلال لم تخطى ء فراسته. وكان شاب يصحب الجنيد يتكلم على الخواطر فذكر للجنيد فقال إيش هذا الذي ذكر لي عنك؟ فقال له أعتقد شيئا، فقال له الجنيد اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا، فقال فاعتقد ثانيا قال اعتقدت فقال الشاب اعتقدت كذا وكذا فقال الجنيد لا، قال فاعتقد ثالثا قال اعتقدت قال الشاب هو كذا وكذا قال لا، فقال الشاب هذا عجب وأنت صدوق وأنا أعرف قلبي، فقال الجنيد صدقت في الأولى والثانية والثالثة لكن أردت أن أمتحنك هل يتغير قلبك؟
و قال أبو سعيد الخراز دخلت المسجد الحرام فدخل فقير عليه خرقتان يسأل شيئا فقلت في نفسي مثل هذا كل على الناس، فنظر إلي وقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ «1» قال فاستغفرت في سري فناداني وقال: وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ «2» . وقال إبراهيم الخواص كنت في الجامع فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه حسن الحرمة فقلت لأصحابنا يقع لي أنه يهودي! فكلهم كره ذلك فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم فقال: إيش قال الشيخ في؟
فاحتشموه فألح عليهم فقالوا قال إنك يهودي فجاء فأكب على يدي فأسلم فقلت ما السبب؟ فقال نجد في كتابنا أن الصديق لا تخطى ء فراسته فقلت أمتحن المسلمين فتأملتهم.
فقلت: إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة فلبست عليكم فلما اطلع هذا الشيخ علي وتفرسني علمت أنه صديق.
و هذا عثمان بن عفان دخل عليه رجل من الصحابة، وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه فقلت: أوحى بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ فقال لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة.
فهذا شأن الفراسة وهي نور يقذفه اللّه في القلب فيخطر له الشي ء فيكون كما خطر له وينفذ إلى العين فيرى ما لا يراه غيرها.
(1) سورة البقرة، الآية 235.
(2) سورة الشورى، الآية 25.