قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والْإِكْرامِ «1» ، وقال تعالى: كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «2» ، قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت، قالوا: وقد قال تعالى عن أهل النار أنهم قالوا:
رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ «3» فالموتة الأولى هذه المشهودة وهي للبدن والأخرى للروح «4» .
و قال الآخرون: لا تموت الأرواح فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دلت هذه الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها اللّه في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لا نقلع عنها النعيم والعذاب، وقد قال تعالى: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ «5» هذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وقد ذاقت الموت.
و الصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بعد هذا، وكما صرح به النص أنها كذلك حتى يردها اللّه في جسدها، وقد نظم أحمد بن الحسين الكندي هذا الاختلاف في قوله:
تنازع الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب
(1) سورة الرحمن، الآية 26.
(2) سورة الرحمن، الآية 26.
(3) سورة غافر، الآية 11.
(4) قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة: الموتة الأولى حين كانوا في العدم، والموتة الثانية حين ماتوا في الدنيا، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث يوم القيامة، فهاتان موتتان وحياتان.
و يوضح أيضا هذا المعنى قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.
(5) سورة آل عمران، الآية 169 - 170.