فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 363

مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته: «فأكون أول من يفيق، فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى» ، فإنه حصل فيه تردد: هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور، وهذه فضيلة عظيمة لموسى، ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقا، لأن الشي ء الجزئي لا يوجب أمرا كليا، انتهى.

قال أبو عبد اللّه القرطبي: إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله، فالمعنى: إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور.

قلت: وحمل الحديث على هذا يصح، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم تردد: هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور؟ فالمعنى:

لا أدري أصعق أم لم يصعق، وقد قال في الحديث: «فأكون أول من يفيق» وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى: هل يصعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق. ولو كان المراد به الصفة الأولى وهي صعقة الموت لكان صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جزم بموته، وتردد هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت، وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى، نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى، وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ، وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية واللّه أعلم.

(فإن قيل) : فكيف تصنعون بقوله في الحديث: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش» قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذا والحديثان هكذا:.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت