واحد منهما حق مستقل و ثبتا بأدلة مستقلة فلا منافات بينهما. ثم إن هذا الاستدلال يعتبر اجتهادا في مقابل النصوص، إذ إن النصوص العامة أثبتت هذا الحق للزوجين، فلا وجه لتخصيصه بالزوجة فقط، فلا يعتد بهذا الاجتهاد.
واستدل أصحاب القول الثالث القائلون بعدم ثبوت الخيار مطلقا بدليل من السنة وهو ما جاء من حديث عروة [1] بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-"أن مطلقة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله إن رفاعة [2] طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت عبدالرحمن [3] بن الزبير، وأنه والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضاحكًا وقال: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" [4] .
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرق بين عبدالرحمن بن الزبير وزوجته التي اشتكت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنته، وهذا يدل على عدم ثبوت الخيار للزوجين إذا اكتشف أحدهما في الآخر عيبا [5] .
ونوقش هذا الاستدلال بأنه خارج عن محل النزاع؛ لأن المرأة المذكورة كانت تريد أن ترجع إلى زوجها الأول بعد أن نكحت زوجا غيره، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - لها أنها لا تحل لزوجها الأول بمجرد
(1) هو: عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي إمام من أئمة التابعين وأحد الفقهاء السبعة، روى كثير من الأحاديث عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، توفي سنة (93هـ) . ينظر: تذكرة الحفاظ 1/ 62.
(2) هو رفاعة بن سموال القرظي وقيل رفاعة بن رفاعة القرظي من بني قريظة وهو خال صفية بنت حيي بن أخطب زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي طلق امرأته ثلاثًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتزوجها عبدالرحمن بن الزبير واسم المرأة مختلف فيه فقيل ثميمة بنت وهب وقيل سهيمة وقيل غير ذلك.
ينظر: تهذيب التهذيب 6/ 170، أسد الغابة 2/ 76، والإصابة 2/ 408 - 409.
(3) هو: عبدالرحمن بن الزبير بن باطا القرظي المدني وله صحبة، وهو الذي تزوج المرأة التي طلقها رفاعة القرظي، روي حديثه ابن وهب عن مالك عن المسور بن رفاعة عن الزبير بن عبدالرحمن ابن الزبير عن رفاعة.
ينظر: تهذيب التهذيب 6/ 170، وأسد الغابة 3/ 342.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث ورقمه (5260) .
(5) ينظر: المحلى 10/ 62.