الشرط الثاني: معرفة البراءة الأصلية:
من العلماء من اشترط للاجتهاد معرفة البراءة الأصلية ومنهم الغزالي وسماه العقل.
ثم قال:"وأما العقل، فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام فإن العقل قد دل على نفي الحرج في الأقوال والأفعال وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية لها، أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناه محصورة وإن كانت كثيرة فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس على منصوص" [1] .
ولعل من لم يذكر هذا الشرط اكتفى بوضوحه؛ لأن الكلام في المجتهد، ومن كان مجتهدًا وتوفرت فيه كافة الشروط لا يتصرف إلا فيما ورد في الشرع من الأدلة ولا يستنبط إلا من النصوص أو مما دلت النصوص على كونه دليلًا، ومن جهة أخرى فإن نتيجة تصرف من اشترط هذا الشرط ومن لم يشترط من المجتهدين لا تختلف فإن كل واحد منهما لا يحكم إلا بما حكم به الدليل السمعي. وبذلك فإن اشتراط معرفة القرآن والسنة يغني عنه [2] .
الشرط الثالث: معرفة الفروع الفقهية:
اختلف العلماء في اشتراط معرفة الفروع الفقهية للمجتهد على قولين:
فذهب بعض منهم إلى اشتراط ذلك، وقد نسب الشوكاني هذا القول إلى بعض أهل العلم [3] ، ومال إلى هذا القول الغزالي عندما قال:"إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان" [4] .
وذهب علماء آخرون إلى عدم اشتراط معرفة تفاريع الفقهية، واستدلوا على قولهم بأنه لو
(1) المتسصفى (صـ 343) ، وينظر: كشف الأسرار (4/ 15) ، والاجتهاد لتوانا (صـ 178) .
(2) ينظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه، للدكتور محمد موسى توانا (صـ 178) .
(3) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 302) .
(4) ينظر: المستصفى (صـ 344) .