فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 3896

وَتَأْثِيرُ الصَّوْمِ فِي مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ، فَإِنَّهُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ.

وَلَوْ حَلَفَتْ بِالْحَجِّ فَلَهُ مَنْعُهَا ; لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ قَبْلَ إحْرَامِهَا بِكُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَالثَّانِي، أَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَجَبَ صَارَ كَالْمَنْذُورِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَالشُّرُوعُ هَاهُنَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ لَمْ تَكْمُلْ شُرُوطُهَا لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا وَالتَّلَبُّسِ بِهَا ; لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا.

وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا ; لِأَنَّ مَا أَحْرَمَتْ بِهِ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَالْمَرِيضِ إذَا تَكَلَّفَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ تَحْلِيلَهَا ; لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ وُجُوبِهَا، فَأَشْبَهَتْ حَجَّةَ الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَقَدَتْ الْحُرِّيَّةَ أَوْ الْبُلُوغَ، مَلَكَ مَنْعَهَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ التَّطَوُّعِ.

(2705) فَصْلٌ: وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، إذَا كَمَّلَتْ شُرُوطَهُ، وَكَانَتْ مُسْتَطِيعَةً، وَلَهَا مَحْرَمٌ يَخْرُجُ مَعَهَا ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.

وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ شُرُوطُهُ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْمُضِيِّ إلَيْهِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا تُفَوِّتُ حَقَّهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ عَلَيْهَا، فَمَلَكَ مَنْعَهَا، كَمَنْعِهَا مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ. وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى حَجِّ التَّطَوُّع وَالْإِحْرَامِ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ. وَلِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ زَوْجِهَا، فَكَانَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْهُ، كَالِاعْتِكَافِ.

فَإِنْ أُذْنَ لَهَا فِيهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ تَتَلَبَّسْ بِإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَلَبَّسَتْ بِالْإِحْرَامِ، أَوْ أَذِنَ لَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَا تَحْلِيلُهَا مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ. فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهَا، ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِهِ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ. وَإِذَا قُلْنَا: بِتَحْلِيلِهَا. فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ، يَلْزَمُهَا الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَامَتْ، ثُمَّ حَلَّتْ.

(2706) فَصْلٌ: وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبِ، فَحَلَفَ زَوْجُهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحِلَّ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ، فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ فَرَائِضِ اللَّهِ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ. وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: الطَّلَاقُ هَلَاكٌ، هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَنَّهُ أَفْتَى السَّائِلَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَطَاءٍ، فَرَوَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ذَهَبَ إلَى هَذَا لِأَنَّ ضَرَرَ الطَّلَاقِ عَظِيمٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، وَمُفَارَقَةِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهَا، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ عِنْدَهَا مِنْ ذَهَابِ مَالِهَا، وَهَلَاكِ سَائِرِ أَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ عَطَاءٌ هَلَاكًا.

وَلَوْ مَنَعَهَا عَدُوٌّ مِنْ الْحَجِّ إلَّا أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهَا، كَانَ ذَلِكَ حَصْرًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(2707) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْ إحْرَامِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى} وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى التَّطَوُّعِ، فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ الْغَزْوِ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَالتَّطَوُّعُ أَوْلَى. فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ ابْتِدَاءً، أَوْ كَالْمَنْذُورِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت