الظِّهَارِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ. وَلَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الظِّهَارِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ، فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنَّ قَرُبْتُك إلَى سَنَةٍ. قَالَ: إنْ جَاءَتْ تَطْلُبُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ. فَإِنْ وَطِئَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ أَبَى، وَأَرَادَتْ مُفَارَقَتَهُ، طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُظَاهِرًا ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(6143) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ إحْرَامٍ، أَوْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ، فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْت جَامَعْتهَا. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيْئَةً لِلْعُذْرِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَبِالْمُولِي عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ، فَيَقُولَ: مَتَى قَدَرْت جَامَعْتُهَا. وَنَحْوَ هَذَا. وَمِمَّنْ قَالَ: يَفِيءُ بِلِسَانِهِ إذَا كَانَ ذَا عُذْرٍ. ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَكُونُ الْفَيْءُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، فِي حَالِ الْعُذْر وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ، لَمْ يُوقَفْ حَتَّى يَصِحَّ، أَوْ يَصِلَ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَلَا تَلْزَمُهُ الْفَيْئَةُ بِلِسَانِهِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ لَا يَزُولُ بِالْقَوْلِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْت عَلَى مَا فَعَلْت، إنْ قَدَرْت وَطِئْت. وَلَنَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ، وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الِاعْتِذَارِ، وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ إشْهَادَ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ طَلَبِهَا، يَقُومُ مَقَامَ طَلَبِهَا فِي الْحُضُورِ فِي إثْبَاتِهَا. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: نَدِمْتُ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنْ الْمُقَامِ عَلَى الْيَمِينِ، وَقَدْ حَصَلَ بِظُهُورِ عَزْمِهِ عَلَيْهِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْك. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي"الْمُجَرَّدِ"مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ أَحْسَنُ ; لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِذَارِ، وَإِخْبَارٌ بِإِزَالَتِهِ لِلضَّرَرِ عِنْدَ إمْكَانِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: فِئْتُ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ هَذَا. فَأَمَّا الْعَاجِزُ لِجُبٍّ أَوْ شَلَلٍ، فَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْت لَجَامَعْتُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ مَا حَصَلَ بِإِيلَائِهِ.
(6144) فَصْلٌ: وَالْإِحْرَامُ كَالْمَرَضِ فِي ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَالظِّهَارُ. وَذَكَر أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ، وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ. فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُهُ الْوَطْءَ لَا يُمْهَلُ مِنْ أَجْلِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبِ مِنْهُ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ. فَأَمَّا الْمُظَاهِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُكَفِّرَ وَتَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ. فَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً، أَوْ أُطْعِمَ. فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمُدَافَعَةَ وَالتَّأْخِيرَ، لَمْ يُمْهَلْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ حَالٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ