فهرس الكتاب

الصفحة 3325 من 3896

الثَّانِي، أَنَّ الْعِلَّةَ فِي بَنِي تَغْلِبَ الصُّلْحُ، وَلَمْ يُوجَدْ الصُّلْحُ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَ تَخَلُّفِ الْعِلَّةِ. الثَّالِثُ، أَنَّ بَنِي تَغْلِبَ كَانُوا ذَوِي قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بِالرُّومِ، وَخِيفَ مِنْهُمْ الضَّرَرُ إنْ لَمْ يُصَالَحُوا، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ.

فَإِنْ وُجِدَ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَخِيفَ الضَّرَرُ بِتَرْكِ مُصَالَحَتِهِمْ، فَرَأَى الْإِمَامُ مُصَالَحَتَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، جَازَ ذَلِكَ، إذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ زِيَادَةً قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهمْ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ، كَمَا صَنَعَ عُمَرُ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، حِينَ أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ فِي صُلْحِهِ إيَّاهُمْ، وَذَكَرَ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، فِي كِتَابِهِ. وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا قِصَّةُ بَنِي تَغْلِبَ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ. إذَا كَانُوا فِي مَعْنَاهُمْ.

أَمَّا قِيَاسُ مَنْ لَمْ يُصَالِحُ عَلَيْهِمْ، فِي جَعْلِ جِزْيَتِهِمْ صَدَقَةً، فَلَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(7673) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّجَرَ نَصْرَانِيٌّ تَغْلِبِيٌّ، فَمَرَّ بِالْعَاشِرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ: حَدِيثُ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ الضِّعْفُ مِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ: مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ؟ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرُّوا بِأَمْوَالِهِمْ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، فَذَاكَ ضِعْفُ هَذَا. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ; لِقَوْلِهِ: مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ أَقْيَسُ ; فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَا ضِعْفُ مَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ.

(7674) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ)

اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ، فَعَنْهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يُبِحْ الشَّافِعِيُّ ذَبَائِحَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ.

وَكَرِهَ ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ عَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالنَّخَعِيُّ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ. وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي دِينِ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، فَلَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَانَ آخِرَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: فَكَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

قَالَ الْأَثْرَمُ: وَمَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَلِيًّا. وَذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت