فهرس الكتاب
الْآخَرِ، كَالسَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ وَالْبَصَرِ مَعَ أَجْفَانِ الْعَيْنَيْنِ، وَالنُّطْقِ مَعَ الشَّفَتَيْنِ. وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَ الْأَخْشَمِ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأَنْفِ فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.
(6921) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ)
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ، وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ} . وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ، وَمَنْفَعَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنَّهُمَا طَبَقٌ عَلَى الْفَم يَقِيَانِهِ مَا يُؤْذِيهِ، وَيَسْتُرَانِ الْأَسْنَانَ، وَتَرُدَّانِ الرِّيقَ، وَيَنْفُخُ بِهِمَا، وَيَتِمُّ بِهِمَا الْكَلَامُ، فَإِنَّ فِيهِمَا بَعْضَ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ، فَتَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فِي الْعُلْيَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَفِي السُّفْلَى الثُّلُثَيْنِ ; لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ. وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ، لِأَنَّهَا الَّتِي تَدُورُ، وَتَتَحَرَّكُ، وَتَحْفَظُ الرِّيقَ وَالطَّعَامَ، وَالْعُلْيَا سَاكِنَةٌ لَا حَرَكَةَ فِيهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ وَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ سُوِّيَ بَيْنَ جَمِيعِهِ فِيهَا، كَالْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِزِيَادَةِ النَّفْعِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ
(6922) فَصْلٌ: فَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَتَهُمَا، فَوَجَبَتْ دِيَتُهُمَا، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ، وَإِنْ تَقَلَّصَتَا فَلَمْ تَنْطَبِقَا عَلَى الْأَسْنَانِ، أَوْ اسْتَرْخَتَا فَصَارَتَا لَا تَنْفَصِلَانِ عَنْ الْأَسْنَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ; لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَنْفَعَتَهُمَا وَجَمَالَهُمَا.
وَإِنْ تَقَلَّصَتَا بَعْضَ التَّقَلُّصِ، وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ ; لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ بِالْكُلِّيَّةِ
(6923) فَصْلٌ: حَدُّ الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنْ أَسْفَلِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنْ جِلْدَةِ الذَّقَنِ، وَحَدُّ الْعُلْيَا مِنْ فَوْقِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ إلَى اتِّصَالِهِ بِالْمَنْخِرَيْنِ وَالْحَاجِزِ، وَحَدُّهُمَا طُولًا طُولُ الْفَمِ إلَى حَاشِيَةِ الشِّدْقَيْنِ، وَلَيْسَتْ حَاشِيَةُ الشِّدْقَيْنِ مِنْهُمَا.
(6924) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي اللِّسَانِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ الدِّيَةُ)
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي لِسَانِ النَّاطِقِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ. وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ {: وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ} . وَلِأَنَّ فِيهِ جَمَالًا وَمَنْفَعَةً، فَأَشْبَهَ الْأَنْفَ ; فَأَمَّا الْجَمَالُ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سُئِلَ عَنْ الْجَمَالِ، فَقَالَ: فِي اللِّسَانِ} . وَيُقَالُ: جَمَالُ الرَّجُلِ فِي لِسَانِهِ، {وَالْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ} . وَيُقَالُ مَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ إلَّا صُورَةً مُمَثَّلَةً، أَوْ بَهِيمَةً مُهْمَلَةً.
وَأَمَّا النَّفْعُ، فَإِنَّ بِهِ تُبَلَّغُ الْأَغْرَاضُ، وَتُسْتَخْلَصُ الْحُقُوقُ، وَتُدْفَعُ الْآفَاتُ، وَتُقْضَى بِهِ الْحَاجَاتُ، وَتَتِمُّ الْعِبَادَاتُ ; فِي الْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَالشُّكْرِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالتَّعْلِيمِ