فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 3896

أَمْوَالِ النَّاسِ بِرِضَا أَصْحَابِهَا، كَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ بِقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، رَدَّهُ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ، عَلِمَ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ; لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ فَقَدْ فَرَّطَ، بِدَفْعِ مَالِهِ إلَى مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَهُوَ مُفْرِطٌ إذَا كَانَ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، هَذَا إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ، كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبه، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْقَبْضُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِإِتْلَافِهِ، وَسَلَّطَهُ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ.

وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ، أَوْ أَتْلَفَهُ، كَالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْمَالِكِ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ، فَالسَّفِيهُ أَوْلَى. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَذَلِكَ.

(3481) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، كَالْحُكْمِ فِي السَّفِيهِ، فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَتْلَفَاهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ غَصَبَاهُ فَتَلِفَ فِي أَيْدِيهِمَا، وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ عَنْهُمَا فِيمَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهِ وَتَسْلِيطِهِ، كَالثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ وَالِاسْتِدَانَةِ. وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِيمَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِمَا، وَإِنْ أَتْلَفَاهُ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ.""

(3482) فَصْلٌ: وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، مَا دَامَا فِي الْحَجْرِ، إلَّا الْأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ بَعْدَهُ، أَوْ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا. وَأَمَّا السَّفِيهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ صَغِيرًا، وَاسْتُدِيمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ، فَالْوَلِيُّ فِيهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ. وَإِنْ جُدِّدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، لَمْ يَنْظُرْ فِي مَالِهِ إلَّا الْحَاكِمُ ; لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَزَوَالَهُ يَفْتَقِرُ إلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي مَالِهِ.

(3483) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ، لِفَلَسٍ، أَوْ سَفَهٍ، إذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ، أَوْ قَطْعِ الْيَدِ، وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْحَال. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ، إذَا كَانَ إقْرَارُهُ بِزِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ. وَإِنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، نَفَذَ طَلَاقُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ; لِأَنَّ الْبُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمَالٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِمَالٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَالْمَالِ. وَلَنَا، أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ. كَالْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ. وَدَلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ، أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَلَا يُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مُخْتَارًا، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ، كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت