فهرس الكتاب

الصفحة 1321 من 3896

الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ. يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ. أَيْ رَاكِدٌ. وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ. أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْحَبْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وَقَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} . وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا

شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ. وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ. وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَهُوَ جَائِزٌ. بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَتُقْرَأُ: {فَرُهُنٌ} . وَالرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، وَالرُّهُنُ: جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ} . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ.

(3272) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ، كَمَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مُجَاهِدًا، قَالَ: لَيْسَ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ فِي الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، وَكَانَا بِالْمَدِينَةِ.} وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فِي السَّفَرِ، فَجَازَتْ فِي الْحَضَرِ، كَالضَّمَانِ. فَأَمَّا ذِكْرُ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ; لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَلِهَذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْكَاتِبِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ مَعَهُ أَيْضًا.

(3273) فَصْلٌ: وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ; لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . إرْشَادٌ لَنَا لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} . وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا.

(3274) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا، أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الْحَقِّ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ، فَجَازَ أَخْذُهَا بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . فَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ، فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} . فَجَعَلَهُ جَزَاءً لِلْمُدَايِنَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت