يَقُلْ: مِنْك. لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ بِذَلِكَ، كَالْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ، فَلَمْ يَقَعْ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِإِضَافَةِ الْإِزَالَةِ إلَى الْمَالِكِ، كَالْعِتْقِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا، فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوَاهَا، إنَّ الطَّلَاقَ لَك وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْك. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ
(5865) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ. أَوْ بَرِيءٌ. فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَقَعُ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَةِ صَرِيحِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ كِنَايَتِهِ إلَيْهِ، كَالْأَجْنَبِيِّ. وَالثَّانِي، يَقَعُ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ وَالْبَرَاءَةِ يُوصَفُ بِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، يُقَالُ: بَانَ مِنْهَا، وَبَانَتْ مِنْهُ. وَبَرِئَ مِنْهَا، وَبَرِئَتْ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفُرْقَةِ يُضَافُ إلَيْهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} . وَيُقَالُ: فَارَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَفَارَقَهَا. وَلَا يُقَالُ: طَلَّقَتْهُ. وَلَا سَرَّحَتْهُ. وَلَا تَطْلُقَا. وَلَا تُسَرَّحَا. وَإِنْ قَالَ: أَنَا بَائِنٌ. وَلَمْ يَقُلْ: مِنْك. فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك. فَقَالَتْ: أَنْتِ بَائِنٌ. وَلَمْ تَقُلْ: مِنِّي. أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَجْهًا وَاحِدًا. وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا بَائِنٌ. وَنَوَتْ، وَقَعَ. وَإِنْ قَالَتْ: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ. فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُ ذَلِكَ.
(5866) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ، نَوَاهُ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَوْلُ يَكْتَفِي فِيهِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، إذَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ، كَالْبَيْعِ. وَسَوَاءٌ قَصَدَ الْمَزْحَ أَوْ الْجِدَّ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ جِدَّ الطَّلَاقِ وَهَزْلَهُ سَوَاءٌ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَعُبَيْدَةَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَأَمَّا لَفْظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ، فَيُنْبِي عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ ; فَمَنْ جَعَلَهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْ بِهِ الطَّلَاقَ حَتَّى يَنْوِيَهُ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ.
(5867) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ، لَمْ تَطْلُقْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ لِلطَّلَاقِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، كَالْمُكْرَهِ. فَإِنْ نَوَى مُوجِبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ اخْتِيَارُ مَا