فهرس الكتاب
أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي الْحَالِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ
وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَقِينًا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، أُقِرَّ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، لَمْ يُقَرَّ. وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، أُقِرَّا ; لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا.
(5428) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَإِذَا أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، بِنَّ مِنْهُ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَانَ حَلَالًا، أَوْ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا إنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا حَرَامًا. وَلَوْ أَسْلَمَ النِّسَاءُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ، بِنَّ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ. فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعًا، فَهُنَّ زَوْجَاتٌ
فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ تُسْلِمْ مِنْهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ: (5429)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ الْمَجُوسِيَّيْنِ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ، بَلْ إنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَام عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ أَبَى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَفَ ذَلِكَ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ. فَإِنْ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ الزَّوْجِ، كَانَ طَلَاقًا ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ، فَكَانَ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ، كَانَ فَسْخًا ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ; لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}