الْآخَرُ، نَظَرْنَا إلَى نِيَّتِهِ، فَإِنْ نَوَى أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ بِمُنَاوَلَتِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ نَوَى مُنَاوَلَتَهُ فَهُوَ لِلْآمِرِ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النِّيَابَةِ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَكَّلَ لَهُ فِي تَحْصِيلِ مُبَاحٍ.
(4571) فَصْلٌ: فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا الْتَقَطْته. وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا، وَكَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ، كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ; وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ، حَلَفَ وَسُلِّمَ إلَيْهِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَا تُشْرَعُ الْيَمِينُ هَا هُنَا، وَيُسَلَّمُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا حَقًّا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِمَا. فَإِنْ وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: فِي ظَهْرِهِ شَامَةٌ، أَوْ بِجَسَدِهِ عَلَامَةٌ. وَذَكَرَ شَيْئًا فِي جَسَدِهِ مَسْتُورًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ لَا تُقَدَّمُ بِهِ دَعْوَاهُ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ، فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا، كَلُقَطَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَدِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا بِهَا. وَقِيَاسُ اللَّقِيطِ عَلَى اللُّقَطَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا ; لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا، أَوْ أُطْلِقَتَا مَعًا، أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى، فَقَدْ تَعَارَضَتَا. وَهَلْ يَسْقُطَانِ أَوْ يُسْتَعْمَلَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَسْقُطَانِ، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا. وَالثَّانِي، يُسْتَعْمَلَانِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ كَانَ أَوْلَى. وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الْآخَرِ، أَوْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَعْوَى الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِمَّنْ لَا تُقَرُّ يَدُهُ عَلَى اللَّقِيطِ، أُقِرَّ فِي يَدِ الْآخَرِ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَى مِنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ بِحَالٍ.
(4572) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَإِذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أُرِيَ الْقَافَةَ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ)
يَعْنِي إذَا اُدُّعِيَ نَسَبُهُ، فَلَا تَخْلُو دَعْوَى نَسَبِ اللَّقِيطِ مِنْ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَهُ وَاحِدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاهُ، فَيُنْظَرُ ; فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا، لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطَهُ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ عَبْدًا، لَحِقَ بِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّ لِمَائِهِ حُرْمَةً، فَلَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ