الْجُرْحِ، وَجَبَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ أَكْثَرَ، كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْجُرْحِ، وَدَخَلَتْ دِيَةُ الْعَقْلِ فِيهِ ; لِأَنَّ ذَهَابَ الْعَقْلِ تَخْتَلُّ مَعَهُ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ، فَدَخَلَ أَرْشُهَا فِيهِ، كَالْمَوْتِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَذْهَبَتْ مَنْفَعَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ الْأَرْشَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ، لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهُمَا فِي دِيَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ، مَعَ قُرْبِهِمَا مِنْهُمَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ، لَمْ يَجِبْ أَرْشُهُ إذَا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ. وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَنَافِعَ الْأَعْضَاءِ تَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِمَا تُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الصَّحِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ، لَمْ تُضْمَنْ، كَمَا لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَيِّتِ وَأَعْضَاؤُهُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، جَازَ ضَمَانُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِرَاحَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
(6956) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ، وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ مَعَ أَرْشِ الْجُرْحِ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ وَسَمْعُهُ وَلِسَانُهُ، فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ. وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِيَةٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَاتٍ. فَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ دِيَاتِ الْمَنَافِعِ كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ.
(6957) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ، وَالصَّعَرُ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَيَصِيرَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ)
أَصْلُ الصَّعَرِ، دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ، فَيَلْتَوِي عُنُقُهُ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} . أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِك تَكَبُّرًا، كَإِمَالَةِ وَجْهِ الْبَعِيرِ الَّذِي بِهِ الصَّعَرُ، فَمَنْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً، فَعَوِجَ عُنُقَهُ، حَتَّى صَارَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ إذْهَابُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ. وَلَنَا مَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ قَالَ: وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ. وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ، فَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهِ. غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ أَمَامَهُ، وَاتِّقَاءِ مَا يَحْذَرُهُ إذَا مَشَى، وَإِذَا نَابَهُ أَمْرٌ، أَوْ دَهَمَهُ عَدُوٌّ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِهِ، وَلَا اتِّقَاؤُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ لَيُّ عُنُقِهِ لِيَعْرِفَ مَا يُرِيدُ نَظَرَهُ، وَيَتَعَرَّفَ مَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرّهُ.
(6958) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ، فَصَارَ الِالْتِفَاتُ عَلَيْهِ شَاقًّا، أَوْ ابْتِلَاعُ الْمَاءِ، أَوْ غَيْرُهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا. وَإِنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ ازْدِرَادُ رِيقِهِ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَبْقَى، فَإِنْ بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ، فَفِيهِ