فهرس الكتاب

الصفحة 1442 من 3896

الْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ {مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ} وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْحَوَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاشْتِقَاقِهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا بَيْعٌ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ، فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِذَلِكَ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ، لِكَوْنِهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَّا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الرَّبَّا بِجِنْسِهِ. وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلَجَازَتْ بَيْنَ جِنْسَيْنِ، كَالْبَيْعِ كُلِّهِ.

وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ لَا بِالْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ. وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ، بِلَا خِلَافٍ ; فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ. وَأَمَّا الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(3555) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ أَبَدًا)

.مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا، تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ ; لِأَنَّهَا تَحْوِيلٌ لِلْحَقِّ وَنَقْلٌ لَهُ، فَيُنْقَلُ عَلَى صِفَتِهِ، وَيُعْتَبَرُ تَمَاثُلُهُمَا فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا، الْجِنْسُ. فَيُحِيلُ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، وَمَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ.

وَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِذَهَبٍ، لَمْ يَصِحَّ. الثَّانِي، الصِّفَةُ. فَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ صِحَاحٌ بِمُكَسَّرَةٍ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مِصْرِيَّةٌ بِأَمِيرِيَّةٍ، لَمْ يَصِحَّ. الثَّالِثُ، الْحُلُولُ وَالتَّأْجِيلُ. وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ أَجَلِ الْمُؤَجَّلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا، أَوْ أُجِّلَ أَحَدُهُمَا إلَى شَهْرٍ وَالْآخَرُ إلَى شَهْرَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ. وَلَوْ كَانَ الْحَقَّانِ حَالَّيْنِ، فَشَرَطَ عَلَى الْمُحْتَالِ أَنْ يَقْبِضَ حَقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ ; لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ ; فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَهُ. وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، وَصَحَّتْ الْحَوَالَةُ، وَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَدْفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْ حَقِّهِ، أَوْ رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِدُونِ الصِّفَةِ، أَوْ رَضِيَ مَنْ عَلَيْهِ الْمُؤَجَّلُ بِتَعْجِيلِهِ، أَوْ رَضِيَ مَنْ لَهُ الْحَالُ بِإِنْظَارِهِ، جَازَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، فَفِي الْحَوَالَةِ أَوْلَى.

وَإِنْ مَاتَ الْمُحِيلُ، أَوْ الْمُحَالُ، فَالْأَجَلُ بِحَالِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَفِي حُلُولِ الْحَقِّ رِوَايَتَانِ، مَضَى ذِكْرُهُمَا. الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ. وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يُحِيلَ بِدَيْنٍ [ غَيْرِ ] مُسْتَقِرٍّ، إلَّا أَنَّ السَّلَمَ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ، لِانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.

وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت