وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ. وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَيس بِظِهَارٍ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ، أَوْ تَحْرِيمٌ مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا حَسَنًا، جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ.
وَهَذَا أَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ مِنْ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْكَذِبِ، وَالظِّهَارِ قَبْلَ الْعَوْدِ، وَالظِّهَارِ مِنْ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ فِي الْمَحَلِّ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ، كَتَحْرِيمِ سَائِرِ الْحَلَالِ. وَلِأَنَّهُ ظِهَارٌ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، فِي عِتْقِ الرَّقَبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إعْتَاقُهَا تَكْفِيرًا لَيَمِينِهَا، فَإِنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ; لِكَوْنِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةٍ الْأَثْرَمِ، لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، إنَّمَا قَالَ: الْأَحْوَطُ أَنْ تُكَفِّرَ. وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لِلْحَلَالِ مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ طَعَامَهُ. وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(6227) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا حَتَّى يَطَأَهَا وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا، أَوْ إكْرَاهِهَا عَلَى الْوَطْءِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. وَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ، كَكَفَّارَاتِ سَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا لِذَلِكَ، وَعَلَيْهَا تَمْكِينُ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لَحَلَالٍ، فَلَا يُثْبِتُ تَحْرِيمًا، كَمَا لَوْ حَرَّمَ طَعَامَهُ.
وَحُكِيَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُهُ قَبْلُ التَّكْفِيرِ، إلْحَاقًا بِالرَّجُلِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ الظِّهَارُ مِنْهُ صَحِيحٌ، وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ حَقُّ الرَّجُلِ، فَمَلَكَ رَفْعَهُ، وَالْحِلُّ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا تَمْلِكُ إزَالَتَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(6228) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا، فَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، يَنْوِي بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ، أَوْ الِاسْتِئْنَافَ، أَوْ أَطْلَقَ. نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَطَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الْيَمِينِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فَكَفَّارَتَانِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ، فَكَفَّارَاتٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَقَتَادَةَ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَإِذَا نَوَى الِاسْتِئْنَافَ تَعَلَّقَ بِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمُ حَالِهَا، كَالطَّلَاقِ.