فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا.
وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ. وَلَنَا، أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي: إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا. فِيمَا إذَا مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
(2768) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ. قَالَ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ إذَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ، صَارَ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَالْإِجَارَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّنَا لَمْ نُجِزْ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ
(2769) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ:"أَوْ مَاتَ"الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَبْدَ، وَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:"أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ". وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّ الضَّمِيرَ إلَى الْمُشْتَرِي، وَأَرَادَ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْخِيَارُ ; لِأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ قَدْ تَنَاوَلَهُ بِقَوْلِهِ:"أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ". وَالْحُكْمُ فِي مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ خِيَارَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَيَبْقَى خِيَارُ الْآخَرِ بِحَالِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ طَالَبَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَبْطُلُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالْأَجَلِ وَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَلَنَا، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ ; فَلَمْ يُورَثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
(2770) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ)
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، مَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ} ، وَقَوْلُهُ: {الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا} . جَعَلَ التَّفَرُّقَ غَايَةً لِلْخِيَارِ. وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، إلَّا أَنْ يَجِدَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَيَرُدَّهَا بِهِ، أَوْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَيَمْلِكُ الرَّدَّ أَيْضًا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ