وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ أَعْتَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا، فَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْبَائِعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ; لِكَوْنِهِ أَعْتَقَ غَيْرَ مَمْلُوكِهِ، وَلَكِنْ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَاسْتِرْجَاعُ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي. وَمَتَى أَعَادَ الْبَائِعُ الْإِعْتَاقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، نَفَذَ إعْتَاقُهُ ; لِأَنَّهُ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْجَعَهُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ. وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَأَعْتَقَهُمَا، نَفَذَ عِتْقُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرَ، نَظَرْت، فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُهَا، وَبَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوَّلًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَرَجَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْأَمَةِ ; لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِالْفَسْخِ عَنْ مِلْكِهِ، وَعَادَتْ إلَى سَيِّدِهَا الْبَائِعِ لَهَا.
(2766) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ بَاعَهُ، صَارَ حُرًّا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَعْتِقُ ; لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ. وَلَنَا، أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ. فَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك. فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَخَايَرَا ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى مَذْهَبنَا. فَإِنَّنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَعْتَقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ.
(2767) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا ; لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً لِوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ نَمَائِهَا، وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَهُ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ رَجَعَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ انْقَطَعَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْهَا، فَيَكُونُ وَاطِئًا لِمَمْلُوكَتِهِ الَّتِي لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا. وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ