لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّمْرَ يَكُونُ فِيهِ النَّوَى.
وَإِنْ نُزِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ، جَازَ أَيْضًا. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي حَالِ الْكَمَالِ. وَلِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ} . وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ. وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِالنَّوَى كَيْلًا لِذَلِكَ. وَإِذَا بَاعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ ; لِاشْتِمَالِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ دُونَ الْآخَرِ.
وَإِنْ نَزَعَ النَّوَى، ثُمَّ بَاعَ النَّوَى وَالتَّمْرَ بِنَوًى وَتَمْرٍ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ بِنَزْعِهِ، فَصَارَ كَبَيْعِ تَمْرٍ وَحِنْطَةٍ بِتَمْرٍ وَحِنْطَةٍ. وَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جَازَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَسَاوِيًا ; لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.
وَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ; مَنَعَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَأَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ ; لِأَنَّ التَّمْرَ نَوًى، فَيَصِيرُ كَمُدِّ عَجْوَةٍ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ تَمْرًا فِيهِ نَوَاهُ، بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى. وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ النَّوَى فِي التَّمْرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ، وَصَارَ هَذَا كَبَيْعِ دَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ بِذَهَبٍ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا ; لِأَنَّ النَّوَى الَّذِي فِي التَّمْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَصَارَ كَبَيْعِ النَّوَى بِمَنْزُوعِ النَّوَى.
(2820) فَصْلٌ: وَيُصْنَعُ مِنْ التَّمْرِ الدِّبْسُ، وَالْخَلُّ، وَالنَّاطِفُ، وَالْقَطَّارَةُ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِشَيْءِ مِنْهَا ; لِأَنَّ مَعَ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَبَعْضُهَا مَائِعٌ، وَالتَّمْرُ جَامِدٌ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّاطِفِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَصْنُوعِ مِنْ التَّمْرِ ; لِأَنَّ مَعَهَا شَيْئًا مَقْصُودًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْقَطَّارَةِ، وَالدِّبْسِ، وَالْخَلِّ، كُلِّ نَوْعٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْبَيْعِ، كَالْخُبْزِ بِالْخُبْزِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ. وَلَا يُبَاعُ نَوْعٌ بِنَوْعٍ آخَرَ ; لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، فَيُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ.
(2821) فَصْل: وَالْعِنَبُ كَالتَّمْرِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ خَلُّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ ; لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ. وَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ التَّمْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
(2822) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ)
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأُسُودِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا. فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةً بَعْضَ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا، أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ} ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ. قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُغَشُّ بِالْآخَرِ، فَكَانَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ