فهرس الكتاب
النَّسَبِ. وَحَقَّانِ لَهُ: الْفُرْقَةُ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ وَالنَّسَبُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا لَهُ، فَلَمْ تَزُلْ الْفُرْقَةُ، وَلَا التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ.
(6266) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَلَا لَاعَنَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. فَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ، فَبَذَلَ اللِّعَانَ، وَقَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ. قُبِلَ مِنْهُ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْحَدِّ، فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ، كَالْبَيِّنَةِ.
فَإِنْ ادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، فَأَنْكَرَ، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَذْفًا ; لِأَنَّ الْقَذْفَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا كَذِبًا، وَأَنَا صَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إكْذَابًا لِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى رَمْيِهَا بِالزِّنَا، وَلَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا. فَإِنْ قَالَ: مَا زَنَتْ، وَلَا رَمَيْتهَا بِالزِّنَا. فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ وَلَا لِعَانُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا زَنَتْ. تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ وَاللِّعَانِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ حُجَّةٌ قَدْ أَكْذَبَهَا. وَجَرَى هَذَا مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِي. فَقَامَتْ: عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْوَدِيعَةِ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ. وَلَوْ أَجَابَ بِأَنَّهُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ. وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَادَّعَى الرَّدّ أَوْ التَّلَفَ، قُبِلَ مِنْهُ.
(6267) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَإِنْ قَذَفَهَا، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، وَتَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، نُفِيَ عَنْهُ، إذَا ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ} . وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ التَّامِّ، الَّذِي اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا، أَنْ يُوجَدَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْتَفِي بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا كَانَ بِيَمِينِهِ وَالْتِعَانِهِ، لَا بِيَمِينِ الْمَرْأَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَلَا مَعْنَى لِيَمِينِ الْمَرْأَةِ فِي نَفْيِ النَّسَبِ، وَهِيَ تُثْبِتُهُ وَتُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيهِ، وَإِنَّمَا لِعَانُهَا لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَدْرَءُوا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ} .
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ بَعْدَ تَلَاعُنِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ النَّفْيُ بِبَعْضِهِ، كَبَعْضِ لِعَانِ الزَّوْجِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكْمُلَ أَلْفَاظُ اللِّعَانِ مِنْهُمَا جَمِيعًا. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يَبْدَأَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ فَعَلَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ عَنْهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ لِعَانِهَا عَلَى لِعَانِهِ بِالْوَاوِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَتَّبَتْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَتِمُّ اللِّعَانُ إلَّا بِالتَّرْتِيبِ، إلَّا أَنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهُ لِعَانُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ إخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ، وَعَدَمِ كَمَالِ أَلْفَاظِ اللِّعَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ.