فهرس الكتاب

الصفحة 1204 من 3896

الْبَائِعُ ذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ، فَلَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَوَزَنَهَا بِصَنْجَةٍ ثُمَّ وَجَدَ الصَّنْجَةَ زَائِدَةً، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِمِكْيَالٍ، ثُمَّ وَجَدَهُ زَائِدًا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَاعَ مَا يَعْلَمُ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْفَسْخُ بِالِاحْتِمَالِ.

(2970) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ عَرَفَ مَبْلَغَ شَيْءٍ، لَمْ يَبِعْهُ صُبْرَةً)

نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي مَوَاضِعَ. وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ. قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ بَكْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، وَقَدْ عَرَفَ كَيْلَهُ، وَقُلْت لَهُ: إنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إذَا بَاعَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّهُ. قَالَ: هَذَا تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ، وَلَكِنْ لَا يُعْجِبُنِي إذَا عَرَفَ كَيْلَهُ، إلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ، فَإِنْ بَاعَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ.

وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، بِذَلِكَ بَأْسًا ; لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْبَيْعُ مَعَ جَهْلِهِمَا بِمِقْدَارِهِ، فَمَعَ الْعِلْمِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ عَرَفَ مَبْلَغَ شَيْءٍ فَلَا يَبِعْهُ جُزَافًا حَتَّى يُبَيِّنَهُ} . قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {، أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ مُجَازَفَةً، وَهُوَ يَعْلَمُ كَيْلَهُ.} وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ مَالِكٌ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَعْدِلُ إلَى الْبَيْعِ جُزَافًا مَعَ عِلْمِهِ بِقَدْرِ الْكَيْلِ، إلَّا لِلتَّغْرِيرِ بِالْمُشْتَرِي وَالْغِشِّ لَهُ، وَلِذَلِكَ أَثَرٌ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا} . فَصَارَ كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْعَيْبَ.

فَإِنْ بَاعَ مَا عَلِمَ كَيْلَهُ صُبْرَةً، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لَازِمٌ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ لَهُمَا، وَلَا تَغْرِيرَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَا كَيْلَهُ أَوْ جَهِلَاهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ; لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ. وَلِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ أَبْعَدُ مِنْ التَّغْرِيرِ.

وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ إنْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً يَعْلَمُ تَصْرِيَتَهَا. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، وَالْإِمْضَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ غِشٌّ، وَغَدْرٌ مِنْ الْبَائِعِ، فَصَحَّ الْعَقْدُ مَعَهُ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.

(2971) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِكَيْلِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ. فَإِنْ قَبَضَهُ بِاكْتِيَالِهِ، تَمَّ الْبَيْعُ وَالْقَبْضُ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ جُزَافًا. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، كَالَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ، فَقَدْ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا أَخَذَ النَّقْصَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي قَدْرِهِ مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ، وَبَقَاءُ الْحَقِّ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ كَيْلِهِ ; لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ عَلَقَةً، فَإِنَّهُ لَوْ زَادَ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، بِغَيْرِ كَيْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْلِهِ.

وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لَهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ قَفِيزًا، فَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ، أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْهُ، بِالْكَيْلِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت