فهرس الكتاب
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلرَّجُلِ تَزْوِيجَ أُمِّ وَلَدِهِ، أَحَبَّتْ ذَلِكَ أَمْ كَرِهَتْ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إبْطَالَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، كَالْمُكَاتَبَةِ. وَقَالَ فِي الثَّالِثِ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا، وَإِنْ رَضِيَتْ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا قَدْ ضَعُفَ، وَهِيَ لَمْ تَكْمُلْ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا، كَالْيَتِيمَةِ. وَهَلْ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ مَالِكًا لَا يَرَى تَزْوِيجَهَا. فَقَالَ: وَمَا نَصْنَعُ بِمَالِكٍ ؟ هَذَا ابْنُ عُمَر، وَابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولَانِ: إذَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ لِوَلَدِهَا حُكْمُهَا. وَلَنَا، أَنَّهَا أَمَةٌ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَاسْتِخْدَامَهَا، فَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا، كَالْقِنِّ، وَفَارَقَتْ الْمُكَاتَبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فَاسِدٌ ; لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ لَامْرَأَةٍ بَالِغَةٍ مُحْتَاجَةٍ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ. لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُزَوِّجُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ، أَوْ غَيْبَتِهِ، أَوْ عَضْلِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا فَالْمَهْرُ لَهُ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهَا، وَكَسْبُهَا لَهُ. وَإِذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَلَهَا الْخِيَارُ ; وَلِأَنَّهَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَلَا خِيَارَ لَهَا.
(8877) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا)
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّ قَذْفَهَا قَذْفٌ لِوَلَدِهَا الْحُرِّ، وَفِيهَا مَعْنًى يَمْنَعُ بَيْعَهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهَا أَمَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ، فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا، فَفِي الْحَدِّ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهَا، وَلِأَنَّهَا أَمَةٌ تَعْتِقُ بِالْمَوْتِ، أَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ، وَتُفَارِقُ الْحُرَّةَ فَإِنَّهَا كَامِلَةٌ.
(8878) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْحُرَّةِ بِقَتْلِهَا ; لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ. وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا رَقِيقًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْهُ. وَإِنْ جَنَتْ عَلَى عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، جِنَايَةً فِيهَا الْقِصَاصُ، لَزِمَهَا الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهَا أَمَةٌ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الْإِمَاءِ، وَاسْتِحْقَاقُهَا الْعِتْقَ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالْمُدَبَّرَةِ.
(8879) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَأَجْزَأَهَا)
إنَّمَا كُرِهَ لَهَا كَشْفُ رَأْسِهَا فِي صَلَاتِهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ شَبَهًا مِنْ الْحَرَائِرِ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ كَيْفَ تُصَلِّي ؟ قَالَ: تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ. وَكَانَ الْحَسَنُ يُحِبُّ لِلْأُمَّةِ إذَا عَهِدَهَا سَيِّدُهَا - يَعْنِي وَطِئَهَا - أَنْ لَا تُصَلِّيَ إلَّا مُجْتَمِعَةً. وَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، أَجْزَأَهَا ; لِأَنَّهَا أَمَةٌ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ: تُصَلِّي أُمُّ الْوَلَدِ بِغَيْرِ قِنَاعٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ سِتِّينَ سَنَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ عَوْرَتَهَا عَوْرَةُ الْحُرَّةِ. وَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ، وَإِنَّمَا خَالَفَتْهُنَّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِلْعِتْقِ، وَامْتِنَاعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ فِي عَوْرَتِهَا، كَالْمُدَبَّرَةِ،