فهرس الكتاب

الصفحة 2063 من 3896

رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، {أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ ؟ قَالَ: لَك السُّدُسُ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لَك سُدُسًا آخَرَ. فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ، فَقَالَ: إنَّ لَك السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةً.} قَالَ قَتَادَةُ: فَلَا نَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ. قَالَ قَتَادَةُ أَقَلُّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ.

وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: {أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّ ؟ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: أَنَا، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ. قَالَ: مَعَ مَنْ ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَا دَرَيْت. قَالَ: فَمَا يُغْنِي إذًا،} رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي"سُنَنِهِ". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ، لَا يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ غَيْرُ الْأَبِ، وَأَنْزَلُوا الْجَدَّ فِي الْحَجْبِ وَالْمِيرَاثِ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.

أَحَدُهَا، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ. وَالثَّانِيَةُ، زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ، لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي فِيهِمَا مَعَ الْأَبِ، وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ. وَالثَّالِثَةُ، اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي إسْقَاطِهِ بَنِي الْإِخْوَةِ وَوَلَدَ الْأُمِّ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ. وَذَهَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، كَمَا يُسْقِطُهُمْ الْأَبُ.

وَبِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.

وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ شُرَيْحٍ، وَابْنُ اللَّبَّانِ، وَدَاوُد، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُوَرَّثُونَهُمْ مَعَهُ، وَلَا يَحْجُبُونَهُمْ بِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ ; لِأَنَّ الْأَخَ ذَكَرٌ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ الْجَدُّ، كَالِابْنِ.

وَلِأَنَّ مِيرَاثَهُمْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، فَلَا يُحْجَبُونَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُحْجَبُونَ ; وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَتَسَاوُونَ فِيهِ، فَإِنَّ الْأَخَ وَالْجَدَّ يُدْلِيَانِ بِالْأَبِ، الْجَدُّ أَبُوهُ، وَالْأَخُ ابْنُهُ، وَقَرَابَةُ الْبُنُوَّةِ لَا تَنْقُصُ عَنْ قَرَابَةِ الْأُبُوَّةِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ أَقْوَى ; فَإِنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الْأَبِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَجَرَةٍ أَنْبَتَتْ غُصْنًا، فَانْفَرَقَ مِنْهُ غُصْنَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ، وَمَثَّلَهُ زَيْدٌ بِوَادٍ خَرَجَ مِنْهُ نَهْرٌ، انْفَرَقَ مِنْهُ جَدْوَلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْوَادِي.

وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ} . وَالْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ، بِدَلِيلِ الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ ; أَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَهُ قَرَابَةُ إيلَادٍ وَبَعْضِيَّةٍ كَالْأَبِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الْفُرُوضَ إذَا ازْدَحَمَتْ سَقَطَ الْأَخُ دُونَهُ، وَلَا يُسْقِطُهُ أَحَدٌ إلَّا الْأَبُ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ يَسْقُطُونَ بِثَلَاثَةٍ، وَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، كَالْأَبِ، وَهُمْ يَنْفَرِدُونَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسْقِطُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت