وَلِأَنَّ جَرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إبَاحَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَهُ وَسَهْمُهُ فِيهِ، وَلَمْ يَجِدْ بِهِ أَثَرًا آخَرَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ طَلَبَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ كَمَا لَوْ غَابَ نَهَارًا، أَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَغِبْ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حِلِّهِ شَرْطَانِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَجِدَ سَهْمَهُ فِيهِ، أَوْ أَثَرَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ أَثَرُ سَهْمِهِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَهُوَ شَاكٌّ فِي وُجُودِ الْمُبِيحِ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي، أَنْ لَا يَجِدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِهِ، مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ; لِقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِك} وَفِي لَفْظٍ:"وَإِنْ وَجَدْت فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِك، فَلَا تَأْكُلْهُ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي، أَقَتَلْته أَنْتَ أَوْ غَيْرُك". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَفِي لَفْظٍ:"إذَا وَجَدْت فِيهِ سَهْمَك، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ، فَكُلْ مِنْهُ". رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَإِنْ رَمَيْت الصَّيْدَ، فَوَجَدْته بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِك، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ الْمَاءَ، فَلَا تَأْكُلْ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ".
وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهِ أَثَرٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ، فَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُعَارِضُ، فَلَمْ يُبَحْ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، مِثْلُ أَكْلِ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ، كَالسِّنَّوْرِ وَالثَّعْلَبِ، مِنْ حَيَوَانٍ قَوِيٍّ، فَهُوَ مُبَاحٌ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَهَشَّمَ مِنْ وَقْعَتِهِ.
(7722) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ" (وَإِذَا رَمَاهُ، فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، لَمْ يُؤْكَلْ) "
يَعْنِي وَقَعَ فِي مَاءٍ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، أَوْ تَرَدَّى تَرَدِّيًا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ. وَلَا فَرْقَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ كَوْنِ الْجِرَاحَةِ مُوحِيَةً أَوْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ. هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَرَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ: إنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً، مِثْلُ أَنْ ذَبَحَهُ أَوْ أَبَانَ حَشْوَتَهُ، لَمْ يَضُرَّ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ وَلَا تَرَدِّيه.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ هَذَا صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ بِالذَّبْحِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا أَصَابَهُ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُهُ:"وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ". وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ أَعَانَ عَلَى خُرُوجِ رُوحِهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ غَيْرَ مُوحِيَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ غَيْرَ مُوحِيَةٍ. وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ"وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
(7723) فَصْلٌ: فَإِنْ رَمَى طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ، أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ، أَوْ جَبَلٍ، فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ، فَمَاتَ، حَلَّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ