وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ نَجْمًا وَاحِدًا. وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْخِدْمَةَ كُلَّهَا لَا تَكُونُ فِي وَقْتِ مَحِلِّ الدِّينَارِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ جُزْءٌ مِنْهَا يَسِيرٌ مُقَارِبًا لَهُ، وَسَائِرُهَا فِيمَا سِوَاهُ، وَلِأَنَّ الْخِدْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ الْحَاصِلِ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّتِهَا، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا جَمِيعَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ مَحِلُّهَا غَيْرَ مَحِلِّ الدِّينَارِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ حَالَّةً ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْحُلُولِ فِي غَيْرِهَا لِأَجْلِ الْعَجْزِ عَنْهُ فِي الْحَالِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخِدْمَةِ، فَجَازَتْ حَالَّةً.
وَإِنْ جَعَلَ مَحِلَّ الدِّينَارِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ، وَكَانَتْ الْخِدْمَةُ غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِالْعَقْدِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الدِّينَارُ مُؤَجَّلًا، وَالْخِدْمَةُ بَعْدَهُ، جَازَ. وَإِنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مُتَّصِلَةً بِالْعَقْدِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ كَوْنُ الدِّينَارِ قَبْلَهُ، وَلَمْ تَجُزْ فِي أَوَّلِهِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ حَالًّا، وَمِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ.
(8704) فَصْلٌ: وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةٍ مُفْرَدَةٍ، فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلُ أَنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكِتَابَةِ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالْكِتَابَةِ عَلَى أَنْجُمٍ، لِأَنَّ الْخِدْمَةَ تُسْتَوْفَى فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بِخِلَافِ الْمَالِ. فَإِنْ جَعَلَهُ عَلَى شَهْرٍ، بَعْدَ شَهْرٍ، كَأَنْ كَاتَبَهُ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ، عَلَى خِدْمَةٍ فِيهِ، وَفِي رَجَبٍ، صَحَّ ; لِأَنَّهُ عَلَى نَجْمَيْنِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٍ، كَخِيَاطَةِ ثِيَابٍ عَيَّنَهَا، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ وَصَفَهُ، صَحَّ أَيْضًا، إذَا كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي هَذَا الشَّهْرَ، وَخِيَاطَةِ كَذَا عَقِيبَ الشَّهْرِ، صَحَّ. فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي شَهْرًا مِنْ وَقْتِي هَذَا، وَشَهْرًا عَقِيبَ هَذَا الشَّهْرِ، صَحَّ أَيْضًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَصِحُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ، فَصَحَّ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
(8705) فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدَ، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُكَاتَبُ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ أَوْ وَلَدٌ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، فِي الْمُكَاتَبِ: مَالُهُ لَهُ. وَوَافَقَنَا عَطَاءٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ، فِي الْوَلَدِ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى عُمَرُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ} .
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ، وَلِأَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ وَمَالُهُ كَانَا لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِهِمَا، بَقِيَ الْآخَرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ. وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ، قَدْ ذَكَرْنَا ضَعْفَهُ.
(8706) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَوَلَاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ)
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ وَلَاءَ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ، إذَا أَدَّى إلَيْهِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنْعَامٌ وَإِعْتَاقٌ لَهُ ; لِأَنَّ كَسْبَهُ كَانَ لِسَيِّدِهِ بِحُكْمِ مِلْكِهِ إيَّاهُ، فَرَضِيَ بِهِ عِوَضًا عَنْهُ، وَأَعْتَقَ رَقَبَتَهُ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَكَانَ مُعْتِقًا لَهُ، مُنْعِمًا عَلَيْهِ، فَاسْتَحَقَّ وَلَاءَهُ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ} . وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ،