فهرس الكتاب

الصفحة 1121 من 3896

الْأَمْرَيْنِ.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ} . اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَفِي مَعْنَى الْعَيْبِ أَنَّ يُدَلِّسَ الْمَبِيعَ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ، أَوْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ صِفَةً يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ حَالٌّ، فَبَانَ مُؤَجَّلًا، وَنَحْوَ هَذَا، وَنَذْكُرُ هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ.

(2771) فَصْلٌ: وَلَوْ أَلْحَقَا فِي الْعَقْدِ خِيَارًا بَعْدَ لُزُومِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يَلْحَقُهُ ; لِأَنَّ لَهُمَا فَسْخَ الْعَقْدِ، فَكَانَ لَهُمَا إلْحَاقُ الْخِيَارِ بِهِ كَحَالَةِ الْمَجْلِسِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَصِرْ جَائِزًا بِقَوْلِهِمَا، كَالنِّكَاحِ. وَفَارَقَ حَالَ الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ جَائِزٌ.

(2772) فَصْلٌ: وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ الْمَرْئِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ الْغَائِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كُلَّ مَا يُسَمَّى خِيَارًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرُهُ. وَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ رِوَايَتَانِ ; أَظْهَرُهُمَا، أَنَّ الْغَائِبَ الَّذِي لَمْ يُوصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَفِي رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَصِحُّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي. وَهَلْ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; أَشْهَرُهُمَا ثُبُوتُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَطَلْحَةَ، أَنَّهُمَا تَبَايَعَا دَارَيْهِمَا بِالْكُوفَةِ، وَالْأُخْرَى بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لِعُثْمَانَ: إنَّك قَدْ غَبِنْت، فَقَالَ: مَا أُبَالِي ; لِأَنِّي بِعْت مَا لَمْ أَرَهُ. وَقِيلَ لِطَلْحَةَ، فَقَالَ: لَيّ الْخِيَارُ ; لِأَنَّنِي اشْتَرَيْت مَا لَمْ أَرَهُ. فَتَحَاكَمَا إلَى جُبَيْرٍ، فَجَعَلَ الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ. وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّتُهُ إلَى رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَالنِّكَاحِ.

وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفُ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ، كَالسَّلَمِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِالصِّفَةِ، عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنِّكَاحُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ، وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ، وَلَا يُتْرَكُ ذِكْرُهُ، وَلَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخِيَارَات.

وَفِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُخَدَّرَات وَإِضْرَارٌ بِهِنَّ. عَلَى أَنَّ الصِّفَات الَّتِي تُعْلَمُ بِالرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ} . وَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ. قُلْنَا: هَذَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيم الْكُرْدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ، كَدَاخِلِ الثَّوْبِ، وَشَعْرِ الْجَارِيَةِ، وَنَحْوِهِمَا. فَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أَوْ عَيْنًا حَاضِرَةً، لَا يُشَاهَدُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ، كَانَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ.

وَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت