فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 3896

لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا} . وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَوْبٍ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ الْآخَرُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ، كَذَا هَاهُنَا.

وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ خِيَارَهُ يَبْطُلُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَفِي بُطْلَانِ خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ. وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ فِي هَذَا كُلِّهِ سَوَاءٌ.

(2759) فَصْلٌ: وَمَتَى تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصَرُّفًا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، بَطَلَ خِيَارُهُ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ، وَكِتَابَتِهِ، وَبَيْعِهِ، وَهِبَتِهِ، وَوَطْءِ الْجَارِيَةِ، أَوْ مُبَاشَرَتِهَا، أَوْ لَمْسِهَا لِشَهْوَةِ، وَوَقْفِ الْمَبِيعِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا، أَوْ سُكْنَى الدَّارِ، وَرَمِّهَا، وَحَصَادِ الزَّرْعِ، وَقَصْلٍ مِنْهُ، فَمَا وُجِدَ مِنْ هَذَا فَهُوَ رِضَاءٌ بِالْمَبِيعِ، وَيَبْطُلُ بِهِ خِيَارُهُ ; لِأَنَّ الْخِيَارَ يَبْطُلُ بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَاءِ، وَبِدَلَالَتِهِ، وَلِذَلِكَ يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُعْتَقَةِ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا، {وَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنْ وَطِئَك فَلَا خِيَارَ لَك.}

وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. فَأَمَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، وَالطَّحْنُ عَلَى الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِهَا، وَحَلْبُ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِرِضَا بِالْبَيْعِ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْخِيَارِ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ، وَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَا.

وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ الْبَيْعِ، وَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَبَطَلَ بِهِ الْخِيَارُ كَصَرِيحِ الْقَوْلِ. وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ إنَّمَا أَبْطَلَ الْخِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَمَا دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، تَقُومُ مَقَامَ صَرِيحِهِ.

وَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الرَّهْنِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَات، أَوْ وَهَبَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، بَطَلَ خِيَارُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ، فَبَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِرِبْحٍ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتَاعِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ.

وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَقَالَ أَبُو الصَّقْرِ: قُلْت لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَلَهُ الْخِيَارُ فِيهَا يَوْمَيْنِ، فَانْطَلَقَ بِهَا، فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ، أَوْ غَمَزَتْ رِجْلَهُ، أَوْ طَحَنَتْ لَهُ، أَوْ خَبَزَتْ، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ. قُلْت: فَإِنْ مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ: قَدْ بَطَلَ خِيَارُهُ ; لِأَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، وَيُرَادُ لِتَجْرِبَةِ الْمَبِيعِ، فَأَشْبَهَ رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَم سَيْرَهَا. وَنَقَلَ حَرْبٌ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ ; لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَبِيعِ، أَشْبَهَ لَمْسَهَا لِشَهْوَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا قُصِدَ بِهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ، تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ، لَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَهَا، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْخِيَارَ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ قَبَّلَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا ; لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ، لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يَخْتَصُّ الْمِلْكَ، فَأَبْطَلَ خِيَارَهُ، كَقُبْلَتِهِ لَهَا. وَلَنَا: أَنَّهَا قُبْلَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، كَمَا لَوْ قَبَّلَتْ الْبَائِعَ. وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ، لَا لَهَا، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَبَّلَهَا ; فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا. وَمَتَى بَطَلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّفِهِ، فَخِيَارُ الْبَائِعِ بَاقٍ بِحَالِهِ ; لِأَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ بِرِضَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت