بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وَأَعْطِنِي بِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا. جَازَ أَيْضًا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ ; فَإِنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي فِي الدِّرْهَمِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي مَعَ الْفُلُوسِ يَقِينًا، وَقِيمَةُ الْفُلُوسِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ، سَوَاءً.
(2841) فَصْلٌ وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالتَّمْرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّوَى وَمَا عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَغَيْرِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَهَذَا إذَا قُوبِلَ بِمِثْلِهِ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ} .
وَقَدْ عَلِمَ اشْتِمَالَهُمَا عَلَى مَا فِيهِمَا، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ، كَبَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّوَى بِالنَّوَى، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى، فَأَمَّا الْعَسَلُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَسَلٍ وَشَمْعٍ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ النَّحْلِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى.
(2842) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا. لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ} . وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} . وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ. وَقَوْلُهُ {: مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى} . عَامٌّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {لَا رِبَا} . النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا، كَقَوْلِهِ: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ مَالَهُ مُبَاحٌ، إلَّا فِيمَا حَظَرَهُ الْأَمَانُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَيْئَةِ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا هَاهُنَا.