مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لَا يَضُرُّ فَجَازَ، كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى حُصُولِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا الْأَرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ، كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الرِّبَا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ، فَإِذَا كَانَ الْأَرْشُ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ، كَمَنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ دِرْهَمًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ.
(2845) فَصْلٌ: قَوْلُ الْخِرَقِيِّ:"إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ". يَعْنِي الرَّدُّ جَائِزٌ، مَا لَمْ يَنْقُصْ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّقْدِ عَنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ اصْطَرَفَا، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ، كَأَنْ أَخَذَ عَشَرَةً بِدِينَارٍ، فَصَارَتْ أَحَدَ عَشَرَ بِدِينَارٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ; لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ; لِنَقْصِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ زَادَتْ، مِثْلُ أَنْ صَارَتْ تِسْعَةً بِدِينَارِ، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ ; لِأَنَّ تَغَيُّرَ السِّعْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْقَرْضِ. وَلَوْ كَانَ عَيْبًا، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، فَلَهُ رَدُّهُ، وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ.
(2846) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فَسَخَ الْعَقْدَ، وَرَدَّ الْمَوْجُودَ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْعَيْبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا، أَوْ عِوَضَهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ أَخْذِ الْأَرْشِ، وَالْأُوَلُ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْمَجْلِسِ، وَالْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ.
(2847) فَصْلٌ: إذَا عَلِمَ الْمُصْطَرِفَانِ قَدْرَ الْعِوَضَيْنِ، جَازَ أَنْ يَتَبَايَعَا بِغَيْرِ وَزْنٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِوَزْنِ مَا مَعَهُ، فَصَدَّقَهُ، فَإِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كَذَلِكَ، وَافْتَرَقَا، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ نَاقِصًا، بَطَلَ الصَّرْفُ ; لِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا قَبَضَهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ نَظَرْت فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذَا. فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا،
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك دِينَارًا بِدِينَارٍ. ثُمَّ تَقَابَضَا، كَانَ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ، وَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ عِوَضِ الزَّائِدِ، جَازَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ; لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ آخِذَ الزَّائِدِ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ، وَدَافِعُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ، فَيُرَدَّ الزَّائِدَ، وَيَدْفَعَ بَدَلَهُ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَوَفَّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ، كَانَ هَذَا الدِّينَارُ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ، وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ.
(2848) فَصْلٌ: وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّقْدِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ فِيمَا عَيَّنَاهُ،