فَإِذَا كَسَرَهُ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ عَيْبِهِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي لَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تُعْلَمُ لَهُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. أَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِهِ، كَلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ إذَا حَلَبَهَا، وَالْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا، وَبِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ مِنْ الْبَائِعَ، وَالتَّصْرِيَةُ حَصَلَتْ بِتَدْلِيسِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْلِفُ الْمَبِيعَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يُبْقِي لَهُ قِيمَةً، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ، لَا غَيْرُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ، وَقَدْرُ أَرْشِ الْعَيْبِ قِسْطُ مَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنْ الثَّمَنِ، فَيُقَوَّمُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ يُقَوَّمُ مَعِيبًا غَيْرَ مَكْسُورٍ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ. عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ.
(3033) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ النَّشْرُ، رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ النَّشْرُ، كالهسنجاني، الَّذِي يُطْوَى طَاقَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ، جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى جَوْزِ الْهِنْدِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، فِيمَا إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ، أَوْ زَادَ، كَنَشْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ. وَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ أَرْشِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ.
(3034) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ أَرْشُهُ لَا غَيْرُ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ رَدَّهُ. وَأَخْذَ زِيَادَتِهِ بِالصَّبْغِ ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ، فَلَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، كَالسَّمْنِ وَالْكُسْبِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِهَا، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَفَارَقَ السَّمْنَ وَالْكُسْبَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ عَنْ السَّمْنِ عِوَضًا، وَالْكُسْبُ لِلْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّهُ، وَلَا يُعَاوَضُ عَنْهُ. وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا آخُذُهُ، وَأُعْطِي قِيمَةَ الصَّبْغِ. لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا رَدُّهُ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ الْأَرْشِ، كَمَا لَوْ سَمِنَ عَبْدُهُ، أَوْ كَسَبَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ، إلَّا بِرَدِّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ رَدِّهِ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ أَخْذَهُ مَعَ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ. وَالْأَصْلُ لَا نُسَلِّمُهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْأَرْشِ إذَا أَرَادَهُ بِكُلِّ حَالٍ.
(3035) فَصْلٌ: يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ، عَمْدًا أَوْ خَطَأً، عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ; لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِهِ، كَالرَّهْنِ، بَلْ حَقُّ الْجِنَايَةِ آكَدُ ; لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الْجَانِي، يَمْلِكُ أَدَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ، كَالزَّكَاةِ، أَوْ حَقٌّ يَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعَهُ، كَالدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ تَصَرُّفٌ فِي الْجَانِي، فَجَازَ، كَالْعِتْقِ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ قِصَاصًا، فَهُوَ تُرْجَى سَلَامَتُهُ