فهرس الكتاب
بَذْلُهُ لِذَلِكَ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، {أَنَّ قَيِّمَ أَرْضِهِ بِالْوَهْطِ كَتَبَ إلَيْهِ، يُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ سَقَى أَرْضَهُ، وَفَضَلَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَضْلٌ يُطْلَبُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ; أَقِمْ قِلْدَكَ، ثُمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ} . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْقِلْدُ يَوْمُ الشُّرْبِ. وَفِي"الْمُسْنَدِ"، حَدَّثَنَا حَسَنٌ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ} . وَرَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمْنَعَ فَضْلُ الْمَاءِ.} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي لَفْظٍ: {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ.} وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهِ فَضْلَ الْمَاءِ إهْلَاكَهُ، فَحَرُمَ مَنْعُهُ كَالْمَاشِيَةِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا حُرْمَةَ لَهُ. قُلْنَا: فَلِصَاحِبِهِ حُرْمَةٌ، فَلَا يَجُوزُ التَّسَبُّبُ إلَى إهْلَاكِ مَالِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ نَفْيُ الْحُرْمَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَإِتْلَافَهُ مُحَرَّمٌ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَتِهِ.
(3190) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ فَقَضَاهَا عَنْهُ غَيْرُهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ قَضَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ. فَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مُسْتَحِقًّا، لَزِمَ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا ; لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَكَأَنَّ الْمِائَةَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِ دَافِعِهَا. وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَعِيبًا، فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ بِإِقَالَةِ، أَوْ أَصْدَقَ امْرَأَةَ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، أَوْ ارْتَدَّتْ، فَهَلْ يَلْزَمُ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، عَلَى الدَّافِعِ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ مِنْهُ، فَالرَّدُّ عَلَيْهِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي، عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ لَهُمَا، بِدَلِيلِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْهُ، وَالْهِبَةُ الْمَقْبُوضَةُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذَا كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي، إذَا كَانَ عَقْدُهُمَا صَحِيحًا بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ إذْنَهُمَا فِي تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، جَرَى مَجْرَى قَبُولِهِ وَقَبْضِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ وَإِنْ أَذِنَا فِي دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُمَا قَرْضًا، فَإِنَّ الرَّدَّ يَكُونُ عَلَيْهِمَا، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِعِوَضِهِ.
(3191) فَصْلٌ إذَا قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ: ابْتَعْنِي مِنْ سَيِّدِي. فَفَعَلَ، فَبَانَ الْعَبْدُ مُعْتَقًا، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ السَّيِّدُ حَاضِرًا حِينَ غَرَّهُ الْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْعَبْدِ ; لِأَنَّ الْغَرُورَ مِنْهُ. وَلَنَا، أَنَّ السَّيِّدَ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَضَمِنَ الْعُهْدَةَ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا. وَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَغْصُوبًا، أَوْ بِهِ عَيْبٌ، فَرَدَّهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ ; لِمَا ذَكَرْنَا.
(3192) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا، فَغَابَ أَحَدُهُمَا، وَجَاءَ الْآخَرُ يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ الْغَائِبِ، وَلَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ طَلَبَ حِصَّتَهُ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وَإِنْ قَالَ الْحَاضِرُ: أَنَا أَدْفَعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَيَدْفَعُ إلَى جَمِيعَ الْعَبْدِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لِلْحَاضِرِ فِي قَبْضِ نَصِيبِهِ، وَلَا لِلْبَائِعِ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ. فَإِنْ سُلِّمَ إلَيْهِ، فَتَلِفَ الْعَبْدُ، فَلِلْغَائِبِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ; لِأَنَّ الدَّافِعَ فَرَّطَ بِدَفْعِ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالشَّرِيكَ