فهرس الكتاب

الصفحة 1361 من 3896

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّهْنِ مِنْ طَعَامِهِ، وَكُسْوَتِهِ، وَمَسْكَنِهِ، وَحَافِظِهِ، وَحِرْزِهِ، وَمَخْزَنِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْحَاقُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَجْرُ الْمَسْكَنِ وَالْحَافِظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إمْسَاكِهِ وَارْتِهَانِهِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ} وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إنْفَاقٍ، فَكَانَ عَلَى الرَّاهِنِ، كَالطَّعَامِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فَكَانَ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَحَافِظُهُ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ. وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ فَأُجْرَةُ مَنْ يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بِقَدْرِ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَبِقَدْرِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ. وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى مُدَاوَاتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، هُوَ كَأَجْرِ مَنْ يَرُدُّهُ مِنْ إبَاقِهِ. وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ ضَمَانٍ، بِقَدْرِ دَيْنِهِ فِيهِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ. وَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ، كَتَجْهِيزِهِ، وَتَكْفِينه، وَدَفْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ مُؤْنَةُ شَخْصٍ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ كَتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ مِنْ الْأَحْرَارِ.

(3380) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ ثَمَرَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ وَتَسْوِيَةٍ وَجُذَاذٍ، فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى تَجْفِيفٍ، وَالْحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فَعَلَيْهِ التَّجْفِيفُ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ. وَإِنْ كَانَ حَالًّا، بِيعَتْ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْفِيفِهَا. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهَا وَجَعْلِ ثَمَنِهَا رَهْنًا بِالْحَقِّ الْمُؤَجَّلِ، جَازَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَبْقِيهَا بِعَيْنِهَا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَقِلُّ قِيمَتُهُ بِالتَّجْفِيفِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ رَطْبًا، فَإِنَّهُ يُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ مَكَانَهُ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ فِي وَقْتٍ، فَلَهُمَا ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَسَوَاء كَانَ الْأَصْلَحُ الْقَطْعَ أَوْ التَّرْكَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مِنْ طَلَبَ الْأَصْلَحَ، إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنَ، فَهُوَ طَالِبٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ الْحَالِّ، فَلَزِمَ إجَابَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَ، فَهُوَ يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِهِ، وَتَخْلِيصَ عَيْنِ مِلْكِهِ مِنْ الرَّهْنِ، وَالْقَطْعُ أَحْوَطُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي تَبَقَّيْته غَرَرًا. ذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا فِي الْمُفْلِسِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ بِالْقَطْعِ نَقْصًا كَثِيرًا، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إتْلَافٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ; كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِ دَارِهِ لِيَبِيعَ أَنْقَاضِهَا، وَلَا عَلَى ذَبْحِ فَرَسِهِ لِيَبِيعَ لَحْمَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ كَمَالِهَا، لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا قَبْلَهُ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ بِحَالٍ.

(3381) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً تَحْتَاجُ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ، لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَائِهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ; لِكَوْنِهَا زِيَادَةً لَهُمَا، لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ. وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رَعْيٍ، فَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يُقِيمَ لَهَا رَاعِيًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِهَا. وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بِهَا لِيَرْعَاهَا فِي مَكَان آخَرَ، وَكَانَ لَهَا فِي مَكَانِهَا مَرْعَى تَتَمَاسَكُ بِهِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا إخْرَاجَهَا عَنْ نَظَرِهِ وَيَدِهِ. وَإِنْ أَجْدَبَ مَكَانُهَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا تَتَمَاسَكُ بِهِ فَلِلرَّاهِنِ السَّفَرُ بِهَا ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّهَا تَهْلَكُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا، إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيَانِ بِهِ، أَوْ يَنْصِبُهُ الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ السَّفَرِ بِهَا، فَلِلْمُرْتَهِنِ نَقْلُهَا ; لِأَنَّ فِي بَقَائِهَا هَلَاكَهَا، وَضَيَاعَ حَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ. فَإِنْ أَرَادَا جَمِيعًا السَّفَرَ بِهَا، وَاخْتَلَفَا فِي مَكَانِهَا، قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ يُعَيِّنُ الْأَصْلَحَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا، قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُرْتَهِن. وَقَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت