فهرس الكتاب

الصفحة 1530 من 3896

الْحَالُ السَّادِسَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ، فَيَقُولَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ. قَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ. قَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِهِ نَقْدًا. قَالَ بَلْ نَسِيئَةً. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ عَبْدٍ. قَالَ: بَلْ فِي شِرَاءِ أَمَةٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ بِعَشْرَةٍ. فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قَالَ: أَذِنْت لَك فِي الْبَيْعِ نَقْدًا، فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، وَفِي الشِّرَاءِ بِعَشْرَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارَبَةِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ، كَالْخَيَّاطِ إذَا قَالَ: أَذِنْت لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً. قَالَ: بَلْ قَمِيصًا.

وَحُكِيَ عَنْ مَالِك، إنْ أَدْرَكَتْ السِّلْعَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ; لِأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَزِمَ الْوَكِيلَ الضَّمَانُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي التَّوْكِيلِ الَّذِي يَدَّعِيه الْوَكِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ وَالثَّانِي، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَوْلِ الْمُوَكِّلِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَةِ كَلَامِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي صِفَةِ الطَّلَاقِ.

فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: اشْتَرَيْت لَك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِإِذْنِك. قَالَ: مَا أَذِنْت لَك إلَّا فِي شِرَاءِ غَيْرِهَا. أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتهَا لَك بِأَلْفَيْنِ. فَقَالَ: مَا أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا إلَّا بِأَلْفٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.

فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِنْ الشِّرَاءِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ لَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ، حَلَّفَهُ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِ مُوَكِّلِهِ ; لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِذَا حَلَفَ، أَمْضَى الْبَيْعَ، وَعَلَى الْوَكِيلِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِمُوَكِّلِهِ، وَدَفْعُ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ، وَتَبْقَى الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَتَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ، أَوْ كَاذِبًا فَتَكُونَ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِحْلَالَهَا، اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ إيَّاهَا، رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، لِيَرْفُقَ بِهِ لِيَبِيعَهُ إيَّاهَا، لِيَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَصِيرَ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ثَمَنًا قِصَاصًا بِاَلَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْآخَرُ ظُلْمًا، فَإِنْ امْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ الْبَيْعِ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ.

وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لِي فَقَدْ بِعْتُكَهَا. أَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: إنْ كُنْت أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا بِأَلْفَيْنِ، فَقَدْ بِعْتُكَهَا. فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ. وَالثَّانِي، يَصِحُّ ; لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ يَعْلَمَانِ، وُجُودَهُ، فَلَا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ جَارِيَتِي، فَقَدْ بِعْتُكَهَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ عَلِمَا وُجُودَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ وُقُوفَ الْبَيْعِ وَلَا شَكًّا فِيهِ.

فَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ فِي الظَّاهِرِ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ، فَالْجَارِيَةُ لَهُ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، فَالْجَارِيَةُ لِمُوَكِّلِهِ. فَإِذَا أَرَادَ إحْلَالَهَا لَهُ، تَوَصَّلَ إلَى شِرَائِهَا مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَتْ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْبَاطِنِ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا لِلْوَكِيلِ، فَقَدْ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، وَهِيَ لِلْمُوَكِّلِ، وَفِي ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ ثَمَنُهَا.

فَأَقْرَبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت