فهرس الكتاب

الصفحة 1659 من 3896

فَصْلٌ: إذَا أَشْهَدَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْقُدُومَ مَعَ إمْكَانِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الشُّفْعَةَ بِحَالِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَسِيرِ، وَقَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي طَلَبِهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ بِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَسَقَطَتْ، كَالْحَاضِرِ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُشْهِدْ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ لَهُمْ فِيمَا إذَا قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا بِأَنْ يُطَالِبَ لِنَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ أَقُومَ بِذَلِكَ أَوْ يَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ جِهَةِ وَكِيلِهِ، بِأَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ بِرِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ، فَكَانَ مَعْذُورًا.

وَلَنَا، أَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ضَرَرًا، لِالْتِزَامِهِ كُلْفَتَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَوَائِجُ وَتِجَارَةٌ يَنْقَطِعُ عَنْهَا، وَتَضِيعُ بِغَيْبَتِهِ، وَالتَّوْكِيلُ إنْ كَانَ بِجَعْلٍ لَزِمَهُ غُرْمٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعْلٍ لَزِمَتْهُ مِنَّةٌ. وَيَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ جِهَتِهِ، فَاكْتَفَى بِالْإِشْهَادِ.

فَأَمَّا إنْ تَرَكَ السَّفَرَ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ، أَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِيهِ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، فَأَشْبَهَ مِنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِشْهَادِ، وَأَمْكَنَهُ السَّفَرُ أَوْ التَّوْكِيلُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ بِهَا مَعَ إمْكَانِهِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبِ، فَسَقَطَتْ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.

(4033) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا لَا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ، كَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ، وَالْأَلَمِ الْقَلِيلِ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ، كَالْحُمَّى وَأَشْبَاهِهَا، فَهُوَ كَالْغَائِبِ فِي الْإِشْهَادِ وَالتَّوْكِيلِ. وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ، فَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَالْمُطْلَقِ، إنْ لَمْ يُبَادِرْ إلَى الْمُطَالَبَةِ، وَلَمْ يُوَكِّلْ فِيهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.

(4034) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالشُّفْعَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَإِنْ طَالَبَ الْأَوَّلَ، رَجَعَ الثَّانِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَتَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ مَلَكَهُ، وَصَحَّ قَبْضُهُ لَهُ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ مَعِيبًا، لَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ فِي الْآخَرِ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْهِبَةِ.

وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَمَتَى تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا صَحِيحًا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ، مِثْلُ أَنْ بَاعَهُ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِثَمَنِهِ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى تَصَرُّفَهُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ; لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.

وَإِنْ تَبَايَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدَانِ الْأَخِيرَانِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّانِي، وَيَنْفَسِخُ الثَّالِثُ وَحْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّالِثِ، وَلَا يَنْفَسِخُ شَيْءٌ مِنْ الْعُقُودِ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّالِثِ، دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّانِي الثَّمَنَ دَفَعَ إلَيْهِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَرَجَعَ الثَّالِثُ عَلَيْهِ بِمَا أَعْطَاهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ عَقْدُهُ، وَأُخِذَ الشِّقْصُ مِنْهُ، فَيَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ، دَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَانْفَسَخَ عَقْدُ الْآخَرَيْنِ، وَرَجَعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت