قَبْلَ زَرْعِهَا، فَلَهُ زَرْعُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمُمْكِنِ اسْتِيفَاؤُهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ، وَلَا يَغْرِسَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ. وَتَقْدِيرُ الْإِجَارَةِ بِمُدَّةٍ تَقْتَضِي تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ صَحَّ مَعَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ. قُلْنَا: التَّصْرِيحُ بِالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عَنْ مُقْتَضَاهُ، بِظَاهِرِهِ فِي التَّفْرِيغِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَيُصْرَفُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ عَمَّا يُرَادُ لَهُ بِظَاهِرِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا
وَإِنْ أَطْلَقَ إجَارَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ، مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهَا، وَعَدَمِ مَائِهَا، صَحَّ ; لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهَا لَا مَاءَ لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَاهُ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَمَ مَائِهَا، أَوْ ظَنَّ الْمُكْتَرِي أَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَاءٍ لَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ لَهَا يُحَصِّلُ لَهَا مَاءً، وَأَنَّهُ يَكْتَرِيهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِهَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ عَلِمَ حَالَهَا ; لِأَنَّ إطْلَاقَ كِرَاءِ الْأَرْضِ يَقْتَضِي الزِّرَاعَةَ. وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْحَالِ يَقُومُ مَقَامَ الِاشْتِرَاطِ، كَالْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَقُومُ مَقَامَ شَرْطِهِ، وَمَتَى كَانَ لَهَا مَاءٌ غَيْرُ دَائِمٍ أَوْ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الزَّرْعِ، أَوْ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي لَا مَاءَ لَهَا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(4227) فَصْلٌ: وَإِنْ اكْتَرَى أَرْضًا غَارِقَةً بِالْمَاءِ، لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا قَبْلَ انْحِسَارِهِ عَنْهَا، وَقَدْ يَنْحَسِرُ وَلَا يَنْحَسِرُ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَا يَزُولُ الْمَانِعُ غَالِبًا. وَإِنْ كَانَ يَنْحَسِرُ عَنْهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الزِّرَاعَةِ، كَأَرْضِ مِصْرَ فِي وَقْتِ مَدِّ النِّيلِ، صَحَّ الْعَقْدُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ. وَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ فِيهَا مُمْكِنَةً، وَيُخَافُ غَرَقُهَا، وَالْعَادَةُ غَرَقُهَا، لَمْ يَجُزْ إجَارَتُهَا ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْغَارِقَةِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.
(4228) فَصْلٌ: وَمَتَى غَرِقَ الزَّرْعُ أَوْ هَلَكَ، بِحَرِيقٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُكْتَرِي فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ اشْتَرَى دُكَّانًا فَاحْتَرَقَ مَتَاعُهُ فِيهِ. ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ الْمُكْتَرِي الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ، أَوْ بِالزَّرْعِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ ; لِأَنَّ تَعَذُّرَهُ لِفَوَاتِ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، لَا لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ
وَإِنْ تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الْأَرْضِ، أَوْ انْقِطَاعِ مَائِهَا، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ ; لِأَنَّهُ لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ. وَإِنْ تَلِفَ الزَّرْعُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا بِسَبَبٍ. وَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ، فَلَهُ الْفَسْخُ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّرْعِ، فَلَهُ الْفَسْخُ أَيْضًا، وَيَبْقَى الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْمُسَمَّى بِحِصَّتِهِ إلَى حِينِ الْفَسْخِ، وَأَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَأَرْضٍ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ
وَكَذَلِكَ إنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ مِنْ غَرَقٍ يُهْلِكُ بَعْضَ الزَّرْعِ، أَوْ يَسُوءُ حَالُهُ بِهِ.
(4229) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ مُدَّةً، فَانْقَضَتْ، وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْلُغْ حَصَادُهُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ