فهرس الكتاب
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} كَانَ إقْرَارًا مِنْهُمْ بِوُجْدَانِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا. وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. كَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِذَلِكَ.
(5290) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي. فَقَالَ: قَبِلْت. انْعَقَدَ النِّكَاحُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ ; لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي النِّكَاحِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْإِضْمَارِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ، كَلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ. وَلَنَا أَنَّ الْقَبُولَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ. وَقَوْلُهُمْ: يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ. مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ جَوَابٌ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَذْكُورِ.
(5291) فَصْلٌ: وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا إجْمَاعًا، وَهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {زَوَّجْنَاكَهَا} . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} . وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ. فَيَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ. وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ. وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد: يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ. وَفِي لَفْظِ الْإِجَارَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ مَالِكٌ يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَهْرَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً، فَقَالَ: {قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ} . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْعَقَدَ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ، كَلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ; وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِمَجَازِهِ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ، كَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . فَذَكَرَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النِّكَاحُ، كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ ; وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا ; وَهَذَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَقَدْ رُوِيَ:"زَوَّجْتُكَهَا"وَ"أَنْكَحْتُكَهَا"وَ"زَوَّجْنَاكَهَا". مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ. وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِأَحَدِهَا، وَالْبَاقِي فَضْلَةٌ.
(5292) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.