فَصْلٌ: وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْهَا، وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَجِنْسَهُ، وَقَدْرَ الْإِدَامِ وَجِنْسَهُ، وَيَكُونَ الْمَبْلَغُ مَعْلُومًا مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَا يَحِلُّ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ. وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّعَامِ لِلْأَجِيرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَدَلَلْنَا عَلَيْهِ بِقِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى، آجَرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ} وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الصَّبِيِّ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْفَقَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي إنْفَاقِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، جَازَ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، فَلِأَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ. وَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي"الْجَامِعِ"، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلَيْنِ. قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْأَجَلُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فُرِّقَ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَيْهِ مُتَفَرِّقًا، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْرِيقِ اُسْتُحِقَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً. وَالثَّانِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي"الْمُجَرَّدِ"، وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُنَجَّمًا، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي خُبْزٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً، فَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ. وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟
(5768) فَصْلٌ: وَالْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ، كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي، وَلَك هَذَا الْعَبْدُ. فَفَعَلَ، ثُمَّ خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَمَا مَاتَ الْعَبْدُ: جَائِزٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَتْ الْعَبْدَ، ثُمَّ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهَا لَهُ.
فَلَمْ يُصَحِّحْ عِتْقَهَا لَهُ ; لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ بِجَعْلِهَا لَهُ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، وَلَمْ يُضَمِّنْهَا إيَّاهُ إذَا تَلِفَ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، حَتَّى يَقْبِضَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي عِوَضِ الْبَيْعِ، وَفِي الصَّدَاقِ. وَأَمَّا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ. فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الصَّدَاقِ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ سَبَبُهُ بِتَلَفِهِ، فَهَا هُنَا مِثْلُهُ.