فهرس الكتاب

الصفحة 2654 من 3896

قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} . إلَى قَوْله تَعَالَى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِيَتِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَلْزَمهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ ظِهَارٌ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(6181) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، أَوْ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ. فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ، وَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَوْلُهُ الْآخَرُ: لَا يَكُونُ ظِهَارًا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَاللَّيْثُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ مُطْلَقًا، وَهَذَا لَمْ يُطْلِقْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إذَا ظَاهَرَ فِي وَقْتٍ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ بَرَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْقُطُ التَّأْقِيتُ، وَيَكُونُ ظِهَارًا مُطْلَقًا ; لِأَنَّ هَذَا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ، فَإِذَا وَقَّتَهُ لَمْ يَتَوَقَّتْ كَالطَّلَاقِ.

وَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَقَوْلُهُ: ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ. وَلَمْ يَعْتَبِرْ عَلَيْهِ تَقْيِيدَهُ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهَا بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ، فَصَحَّ مُؤَقَّتًا كَالْإِيلَاءِ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ ; فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَهُوَ يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُهُ التَّكْفِيرُ، فَجَازَ تَأْقِيتُهُ. وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَإِنْ بَرَّ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الَّذِينَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا، وَمَنْ بَرَّ وَتَرَك الْعَوْدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ظَاهَرَ فَلَمْ يَعُدْ لِمَا قَالَ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَفَارَقَ التَّشْبِيهَ بِمَنْ لَا تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا غَيْرُ كَامِلٍ، وَهَذِهِ حَرَّمَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بِتَحْرِيمِ ظَهْرِ أُمِّهِ. عَلَى أَنَّنَا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إذَا أَجْمَعَ عَلَى غَشَيَانهَا فِي الْوَقْتِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ الْعَوْدَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ. وَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إلَّا بِالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ لَمْ يَحْنَثْ فِيهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَتُهَا، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْمُظَاهِرَ فِي وَقْتٍ، عَازِمٌ عَلَى إمْسَاكِ زَوْجَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ بِذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِ طَاوُسٍ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: يَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْوَقْتِ.

(6182) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الظِّهَارِ بِالشُّرُوطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَمَتَى شَاءَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ، صَارَ مُظَاهِرًا، وَإِلَّا فَلَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ يَمِينٌ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْإِيلَاءِ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الظِّهَارِ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا، وَالطَّلَاقُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالطَّلَاقِ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ تَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي الْأُخْرَى، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. ثُمَّ تَظَاهَرَ مِنْ الْأُخْرَى، صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ قَالَ: إنْ تَظَاهَرْت مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. ثُمَّ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. صَارَ مُظَاهِرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت