فهرس الكتاب

الصفحة 2691 من 3896

سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ أَعْمًى أَوْ بَصِيرًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ: لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا رُؤْيَةٍ، وَإِمَّا إنْكَارٍ لِلْحَمْلِ ; لِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَالَ: رَأَيْت بِعَيْنَيَّ، وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ. فَلَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ إلَّا فِي مِثْلِهِ.

وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الْآيَةَ. وَهَذَا رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ مَعْنًى يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ مُوجَبِ الْقَذْفِ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ كُلِّ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ، كَالْبَيِّنَةِ. وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ. وَسَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْقُبُلِ أَوْ فِي الدُّبُرِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ بِالْقَذْفِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ. وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ، فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ. وَلَنَا، أَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ بِوَطْءٍ فِي فَرْجِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ فِي قُبُلِهَا. وَأَمَّا إنْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَوَاحِشِ غَيْرِ الزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ ; لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِضَرْبِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ.

(6250) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْمُحْصَنَةَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُلَاعِنَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ اللِّعَانُ دُونَ الْحَدِّ، فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} الْآيَاتِ. فَلَمْ يُوجِبْ بِقَذْفِ الْأَزْوَاجِ إلَّا اللِّعَانَ. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} وَهَذَا عَامٌّ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَ بِأَنْ أَقَامَ لِعَانَهُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ، فِي نَفْيِ الْحَدِّ وَالْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ عَنْهُ.

وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك} . وَقَوْلُهُ لَمَّا لَاعَنَ:"عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ". وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَزِمَهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ الْمَشْرُوعَةِ، كَالْأَجْنَبِيِّ. فَأَمَّا إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا كَالْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْمَجْنُونَةِ، وَالطِّفْلَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِنَّ الْمَعَرَّةَ بِالْقَذْفِ، وَلَا يُحَدُّ لَهُنَّ حَدًّا كَامِلًا لِنُقْصَانِهِنَّ بِذَلِكَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِسْقٌ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ هَذَا التَّعْزِيرِ بِاللِّعَانِ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ إمَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ، أَوْ لِدَرْءِ الْحَدِّ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ ; لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ إسْقَاطَ الْحَدِّ الْكَامِلِ بِاللِّعَانِ، فَإِسْقَاطُ مَا دُونَهُ أَوْلَى. وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِدَفْعِ الْحَدِّ الَّذِي يَعْظُمُ ضَرَرُهُ، مَشْرُوعِيَّتُهُ لِدَفْعِ مَا يَقِلُّ ضَرَرُهُ، كَمَا لَوْ قَذَفَ طِفْلَةً لَا يُتَصَوَّرُ وَطْؤُهَا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ. كَذَا هَاهُنَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت